النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: (أول من تسعر بهم النار ثلاثة، فذكر منهم: عالم تعلم العلم ليقال: عالم، فيؤمر به فيلقى في النار، وقارئ يقرأ القرآن ليقال: قارئ، فيؤمر به في النار فيلقى فيها، ومجاهد جاهد ليقال: جريء، فيؤمر به فيلقى في النار) ، فهؤلاء يظنهم الناس في ظاهر أعمالهم أنهم خير الناس، هذا في القوة، وهذا في العلم، وهذا في إقراء القرآن، لماذا؟ لأن هذه الأمور الثلاثة هي صفوة العبادة والتقرب لله سبحانه وتعالى، فإذا كان الله يجازي المخلص فيها بأمور عالية، فكذلك يجازي المسيء فيها، لماذا؟ لأن الإنسان إذا قربته إليك بأمر، ثم قام بالخيانة أليست عقوبته أشد من عقوبة الأبعد؟ أشد؛ لهذا قربك الله بالعلم ووفقك إليه، فلماذا استدبرت الله واستقبلت الناس؟ وهذا يدل على شدة عقوبة الله سبحانه وتعالى لعباده.
ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالإخلاص، وأن يبحث ويثبت في قلبه كل ساعة من ليله أو نهاره، وينظر ماذا يقصد بهذا العلم، وماذا يقصد بهذه الكلمة، وماذا يقصد بهذه اللفتة، وماذا يقصد بهذه الإشارة، فيتتبع نيته لماذا؟ لأن شائبة النية تنسج الخيوط على القلب حتى تشكل من ذلك قيدًا، أو حبلًا غليظًا يكبد القلب، ولا يستطيع حينئذٍ الانصراف لله سبحانه وتعالى، فإذا قيد القلب بالانصراف إلى المخلوقين انصرف عن الخالق، والقلب ليس له إلا وجهة واحدة، إن توجه إلى المخلوق انصرف عن الخالق، وإن صرفته إلى الخالق سبحانه وتعالى انصرف عن المخلوق.
وينبغي لطالب العلم إذا وفقه الله عز وجل إلى هذه المنزلة والمرتبة العلية، وهذا الطريق ليعلم أنه على شعرة خطيرة، إما إلى جنة وإما إلى سعير، وإذا كان أول من تسعر بهم النار ثلاثة وهم هؤلاء، فليعلم أنه في مقابلهم أن أول من يدخلون الجنة هم هؤلاء الثلاثة.
أول العلماء الأنبياء؛ لأن (العلماء ورثة الأنبياء) ، وهو تشريف، وبقدر علم الإنسان يكون حينئذٍ دخوله إلى الجنة، وكلما كان مستكثرًا متوسعًا في باب العلم كان مع السابقين الأولين في ذلك، فينبغي لطالب العلم أن يعتني بالنية، والله عز وجل يوفق الإنسان إلى العلم الكثير إذا علم صدق نيته، ولو بجهد قليل، ويهديه الله عز وجل إلى الأسباب الصحيحة، وإلى الأخذ بالطريق والمنهج الصحيح، لا أن يجعل منصرفه إلى غيره سبحانه وتعالى، فلو استكثر جعله الله عز وجل ووكله الله سبحانه وتعالى إلى نفسه.
ولهذا نقول: مسألة تصحيح النية، والعناية بها، وكذلك ما يتعلمه الإنسان في سبب تعلمه ونحو ذلك.
... ضبط شهوة العلم