فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 109

ومن وجوه معرفة ضبط الراوي أن يقوم الناقد بضبط أو بسبر مرويه، فيجمع مرويات هذا الراوي من كتب ودواوين السنة، كم له حديث؟ له عشرون، أو ثلاثون، أو أربعون، أو خمسون، أو مائة، أو مائتان، ويقوم الناقد بسبرها والنظر فيها. وإذا لم يكن يحفظها فيقوم بالنظر فيها، ويتأملها واحدًا واحدًا، فإذا كانت مروياته مائتين، ووجدت أن الأئمة حكموا على صحة مائة وتسعين، أو خمسة وتسعين منها، فإن هذا يعتبر ضبطًا عند الراوي. وأعلى من ذلك إذا ضبطها كلها، وكان وهمه في موضع أو موضعين، ثم إذا نقص ذلك ووجدت الإعلال في حديثه يزداد، فالصحيح من حديثه مائة، والضعيف مائة، فإن هذا يعتبر خفة ضبط، ثم إذا نقصت في ذلك يكون ضعفه في الضبط شديدًا، وهذا يكون للناظر بقدر قوة سبره.

... أسباب ضعف السبر عند المتأخرين

والسبر آلة ضعفت عند المتأخرين مع إمكانهم فيها، لأمرين:

الأمر الأول: ضعف الملكة في الحفظ، فالمتأخرون يحفظون المتون، لكن لا يحفظون الأسانيد، لماذا؟ يحفظ المتن يريد أن يعرف الحكم الشرعي منه، ولا يريد أن يوجد لديه ملكة يستطيع بها أن يحكم على الناس، فالمتن الواحد فيه خمسة أو ستة أو سبعة أو أقل من ذلك أو أكثر من الرواة، وهذه آلة من آلات السبر، فإذا حفظت هذه المتون بأسانيدها أصبح لديك استحضار لعدد مروياته، وتستطيع حينئذٍ أن تخرج حكمًا لمجموع أحاديثه التي توجد عندك ضبطًا، فتحكم عليه، وتقول: هذا راوٍ ضابط، أحفظ له مائة حديث، وكلها مستقيمة، وهذا يحصل إذا عرفت الأسانيد، ثم عرفت علل العلماء في هذه الأسانيد، وكلامهم أيضًا عليه.

أما العلماء الأوائل فيعرفون المتون، ويعرفون الأسانيد، ويعرفون موضع الخطأ في كل إسناد، ثم يخرجون بنتيجة، ولهذا العلماء ربما يسألون عن راو من الرواة فيقولون: صالح، يهم شيئًا، أو ربما وهم، أو يخطئ، ونحو ذلك، وهذا الكلام جاء عن طريق السبر.

وحينئذٍ نقول: إن السبر ضعف لضعف الحفظ عند المتأخرين، ولو حفظوا المتون فإن هذا ينفع في باب من العلل، لكن لا ينفع في جميع أبوابها.

الأمر الثاني: العجز؛ لأنه يقول: أريد أن أحكم على حديث واحد، يعني: أحتاج أن أسبر مائتي حديث، وهذا هل هي في الحديث كله؟ لا. في راوٍ واحد، حتى تخرج بحكم واحد تستقل به عن غيرك، وهكذا مع الراوي الثاني والثالث والرابع، وإذا استكثرت من السبر في كل طبقة أصبح لديك ملكة خاصة في كل راوٍ عرفت الحكم بسبرك أنت، ثم استكثرت من معرفة أحوال الرواة بالسبر حتى يتكرر الرواة، وتكررت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت