فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 109

الأسانيد لديك، فأصبح لديك حكم خاص على مثل هذا.

ولهذا كثير من المتأخرين يحكمون على الحديث بناءً على القاعدة، والأوائل لا يحكمون بناءً على القاعدة، وإنما يحكمون بناءً على السبر، وهذا من وجوه البون بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، ولهذا إذا أدرك الإنسان الفارق بين الآلة التي تكون لدى المتقدم، والآلة التي تكون للمتأخر عظم لديه مقام المتقدم، وضعف عنده مقام نفسه، وتوقى عند الحكم على الحديث.

ومما يؤسى له أن تجد بعض طلاب العلم جسر عن الحكم على حديث، فيحكم عليه في دقيقة، وكأنه يعرف هؤلاء الرواة كلهم، ويعرف البلدان، ويعرف ما اختص به أهل كل بلد، وشيوخ البلد، وفيما يروي هذا الراوي، والمتن وعلاقته بالمتن الذي روى، وهذه كلها تحتاج إلى سبر، فالرواة يتباينون، هناك راوٍ لا يروي ولا يعرف إلا في دواوين التفسير، وهو في ذاته ثقة، لكن إذا جاء يروي حديث الأحكام تستغرب وجود هذا الرجل هنا، كما ترى في أحوال الناس، فقد ترى محللًا اقتصاديًا يتكلم في جوانب الاقتصاد، ثم تتفاجأ منه يصدر فتوى، وإذا كنت تعرف اختصاص الرجل وتعلم حاله، ووجدته في خبر مثل هذا فإنك تستغرب وجوده في هذه القضية المنقولة عنه، ولهذا تجد الأئمة يعرفون الراوي، ويعرفون الشيخ، ويعرفون المتن واختصاص الراوي في ماذا، واعتاد أن يروي عن ماذا.

وعلم الشريعة ليس واحدًا، فيه التفسير، فيه الفتن والملاحم، فيه السير، فيه الأحكام، فيه ما يتعلق بفضائل الأعمال، ومنهم من لا يروي حديثًا إلا في مسائل السير والمغازي، فصار مختصًا بذلك، وإذا جاء يروي حديثًا في الأحكام فإن العلماء يتوقفون؛ لأن لديهم ربط، لكثرة مرويه، ومحفوظه لديهم، وهذا أصبح خارجًا ونشازًا عن ذلك.

وكذلك: بعض الأئمة حتى في مسألة الترجيح في الراوي عند الاشتباه مع اسم غيره، فإننا نعرفه إذا اشتركا في الشيخ، اشتركا في التلميذ، معرفة الباب والمتن الذي يرويه، فإن هذا الرجل له نفس، فإما يميل إلى الأحكام، أو يميل إلى أحاديث فضائل الأعمال، أو السير أو نحو ذلك، وهذا الأمر لا تستطيع أن تخرجه من كتب الرجال، وإنما تخرجه من المحفوظ الموجود لديه.

مثلًا راوي لديه مائتا حديث، مائة وخمسون منها في الأحكام، وخمسون منها مفرقة في أبواب الدين، والذي يشاركه في الاسم هذا لديه مائتا حديث، مائة وخمسون في التفسير، وخمسون في بقية الأبواب، وهذا الحديث الذي اختلفوا فيه في الأحكام أيهما أولى؟ أليس الأول؟ الأول. كيف تخرج هذه النسبة، أليس بالسبر؟ بلى بالسبر، وهذا شاق على الإنسان من جهة تطبيقه في الأمر العملي، ولكن إذا كان الإنسان صاحب ملكة وصاحب حفظ، ومعرفة للمتون، وما يختص فيه الراوي استطاع أن يحكم بمباشرة يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت