إن رأيتم شيخًا مكيًا، أو رأيتم شيخًا في مكة، أو رأيتم رجلًا يقرأ القرآن حدثني عن أبيه أنه قال كذا أو نحو ذلك، فمثل هذه الأوصاف لا تغنينا شيئًا؛ لأنه لو عرفه لوصفه، وهو عدل عنده، وعدالته عنده لا يعني أنها عدالة عند الأئمة.
وذلك كقول الشافعي رحمه الله في مواضع من الأم: حدثني الثقة، وهو ثقة عنده، ويحسن الظن به، ولكن عند غيره من الأئمة ليس بعدل، وذلك أن عادة الإمام الشافعي إذا حدث عن شيخ من شيوخه قال: حدثني فلان بن فلان، وفي هذا قرينة على أن غيره يتهمه، ويريد أن يبتعد لجلالة قدره وديانته عن التدليس، فيدلسه، فذكره بوصف يعدله فيه، فقال: حدثني الثقة، ويريد في الغالب إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وتارة يريد غيره.
قال المصنف رحمه الله: [فإن سمي وانفرد واحدًا عنه فمجهول العين، أو اثنين فصاعدًا ولم يوثق فمجهول الحال، وهو المستور] .
هذا على ما تقدم الكلام عليه، أن العلماء غالبًا في التفريق بينهما يذكرون الرواة عنه، ويجعلون ذلك علمًا على التفريق، وهذا التنظير جعل بعض الناس يستدرك على الأئمة وصفهم لبعض الرواة بالثقة، ولم يرو عنه إلا اثنان، ووصفهم لآخر بالجهالة، ولم يرو عنه إلا اثنان، ويقولون: إنه لم يجرووا على طريقة منضبطة، نقول: لماذا؟ لأن ثمة قرائن أخرى لم تكن حاضرة في ذهن هذا المتكلم، ولا في ذهن غيره، فهي موجودة عند العلماء، فرفعوا هذا لاعتبارات، ووضعوا هذا لاعتبارات مع الاشتراك في عدد الرواة عنه.
... رواية المبتدع للحديث
قال المصنف رحمه الله: [ثم البدعة إما بمكفر أو بمفسق، فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني يقبل من لم يكن داعية في الأصح، إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار، وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي] .
قوله: (ثم البدعة) البدعة هي الإحداث والإيجاد مما لم يسبق إليه، ولهذا يقول الله جل وعلا: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117] ، يعني: أن الله سبحانه وتعالى أوجدها ولم تكن قبله سبحانه وتعالى.
وكذلك مما يتعلق بالبدعة: أوجد شيئًا في الدين لم يسبق إليه، وقد يكون سبق إليه من جهة العمل والتقرير، ولكن عمل شيئًا لم يكن سابقًا عند المشرع عن ربه، فكان مبتدعًا، ولو لم يكن هو مبدعًا له، وليس المراد