وكذلك ما يتعلق ببعض أدعية النبي عليه الصلاة والسلام أو غير ذلك التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلًا قنوت الوتر في حديث الترمذي في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت) ، إلى آخر الخبر، قال: (كان يقوله في وتره) ، وبالنظر من جهة إمكانه نقول: لو كان هذا موجودًا لكان الأولى أن ينقل لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الكثير، لماذا؟ لأن الوتر يفعله الإنسان في كل يوم، والنبي صلى الله عليه وسلم عاش في ذلك زمنًا طويلًا، فلماذا لم يعلمه إلا لسبطه الحسين بن علي، ولهذا نقول: إن مثل هذا ينبغي أن يشتهر ويستفيض، وقد اشتهر واستفاض ما هو دونه عنه عليه الصلاة والسلام، وحفظت أدعيته في هذا الباب.
علم السبر دقيق جدًا، وله تفاصيل وأجزاء كثيرة، حتى في علم الرواة في نقلة الأخبار، الراوي إذا روى حديثًا مثلًا في بلد من البلدان تنظر إلى طبقة ذلك الراوي والشيوخ، هل لهم فقه في هذا الباب أو ليس لهم فقه؟ هو يروي، عمن يروي؟ يروي عن شيخه أو لا يروي عن شيخه، هذا الفقه مباشرة، وإذا كان من يروي هذا الحديث مثلًا في الكوفة أو في البصرة، هل يوجد في المدنيين حديث مشابه لهذا؟ فإذا كانت المسألة منفصلة ومنفكة في الشام، ولا توجد في المدينة على الإطلاق فإن هذا يوحي بوجود النكارة، فإن الدين لم ينزل إلا في المدينة ومكة، وشيء يسير في غيرها، وأما ما عدا ذلك فإنه لا بد أن يكون قد خرج منها.
ولهذا نقول: قد يعل الإنسان حديثًا ظاهره الصحة في بعض البلدان لسببين منفصلين عنها:
السبب الأول: ألا يوجد في الحجاز فقهًا، لا نريد الحديث كرواية، لا يقول به أهل المدينة، ولا يقول به أهل مكة.
السبب الثاني: ألا يوجد رواية، يعني: ليس له إسناد لا في مكة ولا في المدينة، هذا من قرائن الإعلال، وهذا يوجد لدى الإنسان إذا كان ضابطًا للمرويات عارفًا أن هذا الحديث موجود عند أولئك أو ليس بموجود عند أولئك.
ولهذا نقول: أعسر شيء أن يدلل الإنسان على سبره؛ لأنك لا تستطيع أن تبرهن في هذا، وهذا كسائر العلوم كما تقدم الإشارة إليه كعلم النقدين، معرفة الذهب والفضة، فأحيانًا الناقد يعرف أن هذا فيه غش يسير من الذهب، ثم تقول له: ما التدليل؟ فلا يستطيع أن يدلل لك، لماذا؟ لأنه قد ميز عشرات الآلاف من الدنانير والدراهم، ثم عرف من أول نظرة أن هذا اللون ليس ذلك اللون، نعم أنت تراها وتقارنها فتقول: هي متساوية، وهو يسمع طنة هذا وطنة هذا، ويرى أنها مفترقة، وأنت ترى أنها متساوية.