كنيته أو نحو ذلك، فيغلب على الظن أنه أراد الثقة وهو أراد الضعيف، فيقول: سمعت، فيكون حينئذٍ هو سمع على الحقيقة، ولكنه دلس في الراوي، وربما يروون أنه دلس بصيغة السماع.
وينبغي أيضًا أن نتنبه لمسائل صيغ السماع، فإن صيغ السماع يغيرها بعض الرواة، فكلمة (عن) ليست من الراوي، وإنما ممن يروي عنه، فالراوي يقول: قال فلان، أو أن فلانًا قال، ولهذا العنعنة في الأسانيد لا يذكرها الراوي، فإذا جلس في التحديث فتح الألواح وقال: عن فلان، لا يقولها غالبًا، وإنما تكون ممن جاء بعده، فجاء بانتظام للأسانيد بصناعة حلقات فيها فيذكرها، ولهذا نقول: إن بعض الرواة ربما يقلب صيغ السماع، ومن الأئمة من يعتني بذكر صيغ كما سمعها وجاءت عن الرواة، ومن أدق أولئك الإمام مسلم رحمه الله فإنه كان يعتني بصيغ السماع ولا يزيد فيها ولا ينقص، ولا يغير عليه رحمة الله.
كذلك فإن من الرواة ما يذكر سماعًا لغلبة ظنه أنه سمع منه، فيجعل العنعنة تحديثًا، فيقول: أخبرنا أو حدثنا فلان، وهذا يرد في بعض الأسانيد.
وبعض الرواة لم يسمع من شيخه ويقول: أخبرنا أو حدثنا، ولا يريد بذلك الكذب، وإنما يريد بذلك أن هذا الراوي حدث أهل بلده، ولهذا الحسن البصري في بعض مرويه عن عبد الله بن عباس يقول: خطبنا عبد الله بن عباس، يريد بذلك أنه خطب أهل البصرة لما قدم إليهم، وكان الحسن البصري غائبًا عنها، إذًا الحسن البصريلم يسمع من عبد الله بن عباس، وإذا جاءتنا مثل هذه الصيغة فإنها ليست سماعًا.
ثالثًا: لا بد من معرفة نوع التدليس، فالتدليس ليس على نوع واحد، بل هو على أنواع متعددة، فإذا أطلقنا القاعدة أنه لا بد للراوي أن يصرح بالسماع في كل حال، وإننا نرد مرويه فهذه مجازفة؛ لأن من الرواة من لا يدلس إلا عن راوٍ واحد، أي: لا يدلس عن غيره، فلماذا نرد عنعنته في غيره، أو منهم من يدلس عن طبقة واحدة ولا يدلس عن غيرها، مثلًا الوليد بن مسلم لا يدلس إلا عن الأوزاعي، فإذا روى عن غير الأوزاعينشترط عليه التصريح بالسماع، كذلك الحسن البصري لا يدلس إلا عن الصحابة، فإن روى عن تابعي لا يشترط في ذلك صيغة السماع.
وإذا التزمنا بما يذكره بعض المحدثين أن المدلس إذا عنعن لا تقبل روايته حتى يصرح بالسماع، فإن هذا الإطلاق ليس بصحيح، بل نقول: إن معرفة نوع التدليس الذي يدلس فيه ذلك الراوي لا بد منه، وتحديد مساره، ثم بعد ذلك ننظر في مسألة صيغة السماع، فالحسن البصري لا يدلس عن التابعي، فإذا روى عن تابعي فهو على سماع، وإشكاله هو فيمن يروي عنه من الصحابة ولم يسمع منهم شيئًا.
رابعًا: أن ينظر في القلة والكثرة في التدليس، فيوجد من الرواة من هو مقل، ومن هو مكثر في التدليس، فالمقل في التدليس والمكثر في الرواية لا يشترط في كل مروي له أن يصرح بالسماع؛ لأن هذا إهدار