ولهذا تجد بعض الأئمة يذكرون أن فلانًا لم يسمع من فلان؛ لأنهم سبروا أمثال هذه الأمور، تباعد القطرين وقلة الزمن، وقلة المروي، فاجتمعت وأعطت عند ذلك الإمام عدم السماع منه.
القرينة الرابعة: أن يروي الراوي عن غير أهل بلده حديثًا بصيغة لا تفيد سماعًا حديثًا لا يوجد عند أهل بلده، بمعنى حديث يرويه يماني أو مصري عن خراساني، وتباعد بين القطرين، فيروي حديثًا لا يوجد عن الخراسانيين عن شيخه، فهذا دليل على وجود راوٍ بينهما وهم في ذلك، والأصل أنه يحمل رواية الراوي أهل بلده عنه، فيقومون برواية ذلك الحديث عنه وحمله كذلك.
القرينة الخامسة: أن يكون التلميذ غير معروف بالارتحال من جهة الأصل، لم يرتحل إلى بلدان دون تلك البلد، كمصري أو يماني، أيها أقرب إليه مكة أو المدينة أو خراسان؟ مكة والمدينة، فإذا روى عن شيخ له خراساني بصيغة لا تفيد سماعه، وهذا التلميذ لا يعرف بالارتحال إلى البلدان التي هي أولى وأقرب من خراسان فهذه قرينة على عدم السماع، ونرجح حينئذٍ عدم السماع.
القرينة السادسة: أن يعرف الشيخ بعدم الارتحال، وقد ذكرنا هنا أن التلميذ لا يعرف بالارتحال، وكذلك الشيخ لا يعرف بالارتحال؛ لأنه احتمال أن الشيخ هو الذي ارتحل إلى التلميذ، خاصة إلى مواضع معظمة كمكة والمدينة، فهذه قرينة على أن صيغة السماع لا تدل على أنه سمع منه، وهي إلى الانقطاع أقرب، كأن يكون خراسانيًا لم يشتهر عنه أنه ذهب إلى مكة والمدينة؛ لاحتمال أن يكون ذلك التلميذ اليماني أو المصري التقى مع الشيخ في مكة في الحج، فسمع منه الحديث والحديثين، فإذا نظرنا في سيرته وجدنا أنه لم يرتحل، وهذا من قرائن إثبات عدم السماع.
القرينة السابعة: ألا يشارك ذلك التلميذ من هو أولى منه بالرواية عنه من أهل بلده، أو من أهل العناية، المشاركة على سبيل العموم، وهذا نعرفه بالنظر إلى روايات تلاميذ ذلك الشيخ، وذلك مثلًا شيخ خراساني له تلاميذ مائة، وهؤلاء المائة يوجد منهم عشرة أو سبعة مدنيين، أو حجازيين، أو يمانيين، أو نحو ذلك، فهذا دليل على أن الشيخ إما وفد إليه الناس، أو هو تحرك من مكانه، فالتقوا في نقطة، يعني: أصبح ثمة حركة للشيخ، وهذه الحركة قد يضعف على الإنسان تمييزها، أي: ضعف عند الإنسان تمييز من الذي تحرك، ولكن في الغالب أن التلميذ يتحرك، واحتمال أن الشيخ تحرك من موضعه إما إلى مكة والمدينة، والتقى بهذا الجمع، وهذا يعطيك عند الوقوف على رواية راوٍ ترجيح أن صيغة الرواية محمولة على السماع؛ لأن ثمة جمع رووا عنه في بلدان أخرى، فاشترطوا معه ودل على حركة الشيخ إما إلى مكة والمدينة، وما كل مواضع الارتحال للرواة تلاميذ وشيوخ تدونها الكتب، خاصة ما يتعلق بالحج، باعتبار أنه طريقة معلومة، ما كل من ذهب إلى الحج يقال أنه ذهب إلى الحج، الناس معتادة على هذا، على إسقاط هذا الفرض.