الأول: أن يكون مسلمًا، وقد يقول قائل: إن الكافر قد يكون عدلًا، نقول: مع الله لا يمكن أن يكون عدلًا؛ لأننا نتكلم هنا في أمور الديانة وأمور السنة وغير ذلك، فليس بعدل في هذا الباب على الإطلاق، قد يعدل في مال أو في شهادة أو غير ذلك، وهذا مبحث آخر.
الثاني: العقل، ومن سلب العقل لا يمكن أن ينسب للعدالة لرفع التكليف عنه، واختلال آلة الإدراك معه، فلا يميز بين الصحيح والضعيف والصواب والخطأ، والحق والباطل والخير والشر، فيخلط هذا بهذا، ويغلب هذا بهذا، فحينئذٍ لا نقول: إنه عدل.
الثالث: البلوغ، وهذا أيضًا يحتاج إلى تفصيل في مسألة العدالة، البلوغ هو الذي يجري معه القلم، وله علامات، وهي من مباحث الفقه التي ينظر فيها إلى تباين الرجل والمرأة في هذا.
ونقول: البلوغ هل هو شرط مطلق في عدالة الراوي في أبواب التحمل والأداء، أم هو شرط للأداء فقط؟ هو شرط للأداء، وليس شرطًا للتحمل، نعم قد يتحمل الإنسان وهو صغير حادثة ويحدث بها بعد ذلك، فنقول حينئذٍ: إنه شرط للأداء وليس شرطًا للتحمل، فإذا حدث الصغير بحديث وهو صغير دون البلوغ، ثم لم يحدث بهذا بعد ذلك نقول: لا نقبله لماذا؟ لانتفاء العدالة؛ لأن الصغير ضعيف الأهلية، ولا يعلم المسئولية بنقل الحديث، سواءً كان ناقصًا أو زائدًا، بخلاف لو كان بالغًا، فإذا كان بالغًا فإنه يعرف تبعات التحديث بالحديث، وأثره ونحو ذلك، وإذا كان صغيرًا فإنه لا يدري وربما كان فيه زيادة أو نقصان، ولهذا عبد الله بن عباس عليه رضوان الله سمع أكثر مرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام في حال الصغر وقبل بلوغه، وقد توفي النبي عليه الصلاة والسلام و عبد الله بن عباس في أول احتلامه، ولهذا جاء في البخاري في حديث عبد الله بن عباس في حجة الوداع قال البخاري رحمه الله في كتاب العلم: باب متى يصح سماع الصغير، وأورد فيه حديث عبد الله بن عباس قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إلى غير جدار، فأتيت على أتان- يعني: على حمار-، وأنا قد ناهزت الاحتلام) ، يعني: قاربته، وحجة الوداع النبي صلى الله عليه وسلم مات بعدها، قال: (فأطلقت الأتان ترتع بين يدي بعض الصف، وصففت معه) ، فهذا دليل على أن الحادثة إذا ضبطها الراوي قبل بلوغه ثم حدث بها بعد ذلك أن هذا التحديث صحيح.
كذلك أن السماع والتحمل يختلف عن الأداء، اسمعها وأنت صغير، ولكن لا تحدث بها إلا وأنت كبير.
رابعًا: السلامة من الفسق، فقد يكون مسلمًا، لكن وجد شيء يفسق به، وأشد وأخطر ما في هذا الباب هو الكذب، لماذا؟ لأننا نحن نبحث عن المصداقية، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلف العلماء فيه، منهم من قال: إنه كفر، وهذا ذهب إليه إمام الحرمين الجويني، وأيده بعض الفقهاء، وجمهور العلماء على أنه كبيرة من الموبقات، ولا يكفر صاحبه إلا إذا استحله، فيكون الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام