-وكان مِن مشاهير مَن رحل إلى المشرق في طلب العلم: يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس الليثي القرطبي وكنيته أبو محمد، سمع في الأندلس من زياد بن عبد الرحمن موطأ مالك، وسمع أيضا من يحيى بن مضر القيسي، ثم رحل إلى المشرق - استجابة لنصيحة أستاذه زياد - فروى الموطأ عن مالك مباشرة، إلاّ أبوابا في الاعتكاف، رواها عن زياد، لشكه في سماعها منه، كما سمع من سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وغيرهم كثير، سّماه مالك عاقل الأندلس؛ لأنه لم يخرج لمشاهدة الفيل بل جاء ليأخذ العلم والهدي، فأُعجب به وأطلق عليه هذا الاسم [1] ، ولما عاد إلى الأندلس واصل ما قام به شيخه زياد من تفقيه أهل الأندلس على مذهب مالك، وهو أول من أدخل الموطأ إلى بلاده كاملا مهذبا، مثقفا بالسماع منه - كما ذكرت سالفا - فكانت روايته للموطأ من أشهر الروايات [2] ، وتولى يحيى الفتوى - بعد عيسى بن دينار - ولم يخرج عن مذهب مالك إلاّ في بعض المسائل [3] .
وكان يحيى شديد التمكّن من حسن رأي الأمير عبد الرحمن [4] ، وقد آثره على جميع الفقهاء أصحابه، «فصار يلتزم من إعظامه وتنفيذ أموره ما يلتزمه الولد لأبيه، فلا يستقضي قاضيا ولا يعقد عقدا، ولا يمضي في الديانة أمرا إلاّ عن رأيه وبعد مشورته» [5] ، حتى قال عنه أحمد بن خالد إنه «لم يعط أحد من أهل العلم
(1) - نفح الطيب، 2/ 9؛ المدارك، 2/ 537.
(2) - يقول صاحب دليل السالك، أنه إذا أُطلق الموطأ يقصد به رواية يحيى:
وحيثما موطأ قد أطلقا ... ** ... لها انصرافه لديهم حققا
انظر: ابن مايابا، دليل السالك، مطبعة الاستقامة، ط 1، 1354 هـ، ص 42؛ وانظر: إحسان عباس، الأدب الأندلسي، 1/ 28.
(3) - سأتناولها في المبحث الرابع _ إن شاء الله تعالى.
(4) - كانت إمارة عبد الرحمان بن الحكم الربضي من سنة 206 هـ إلى 238 هـ. انظر: عمر رضا كحالة، العالم الإسلامي، 1/ 78.
(5) - ابن حيان القرطبي، المقتبس من أنباء أهل الأندلس، ت: محمد علي مكي، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولجنة إحياء التراث الإسلامي، 1994، ص 178 وما بعدها.