فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 364

فهؤلاء الأوائل تحمّلوا عناء الرحلة ومصاعب الغربة في سبيل لقاء مالك وغيره من العلماء وأخذ العلم عنهم، فما إن رجعوا إلى الأندلس حتى بثوا فقه مالك، وجعلوا القضاء والفتوى على منهجه، فالتزم أهلها به، واقبلوا عليه إقبالا لم يحظ به غيره من المذاهب، حتى قال لسان الدين بن الخطيب: «أحوال هذا القطر في الدين وصلاح العقائد أحوال سنية والأهواء والنحل فيهم معدومة، ومذهبهم على مذهب مالك بن أنس إمام دار الهجرة جارية» [1] ، فما إن انتهى القرن الثاني الهجري حتى أصبح فقه مالك صاحب السيادة والغلبة، فحافظ عليه أهل الأندلس - علماؤهم وأمراؤهم - وهذا الاعتناء هو الذي ساهم في تطوّره وغزارة عطائه، لذلك مرّ بعدة مراحل بين مد وجزر، ففي القرن الثالث والرابع للهجرة تمكّن المذهب المالكي تمكنا شديدا وقويت فيه نزعته إلى فقه الفروع والمسائل بعد أن رحل عبد الملك بن حبيب [2] ، وعيسى بن دينار، ومحمد بن أحمد

(1) - لسان الدين بن الخطيب، اللمحة البدرية في الدولة النصرية، بيروت، منشورات دار الآفاق، 1978، ص 38.

(2) - هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان السليمي من ولد عباس بن مرداس، أخذ العلم بالأندلس عن الغازي بن قيس، وصعصعة بن سلام وغيرهما، ثم رحل إلى المشرق، فأخذ عن عبد الملك بن الماجشون، وعبد الله بن الحكم، ومطرف بن عبد الله، وبعد عودته نال رئاسة العلم بالأندلس بعد يحي، فكان رأسا في فقه المالكية، قال عنه صاحب الديباج: (كان حافظا للفقه= =على مذهب مالك، نبيلا فيه، غير أنه لم يكن له علم بالحديث، ولا معرفة بصحيحه من سقيمه) ، وقال عنه سحنو ن: (كان عالم الدنيا) ، واختلف في روايته عن مالك، والحقيقة أنه لم يرو عنه؛ لأن الإمام مالكا توفي سنة 179 هـ، وابن حبيب ولد سنة 174 هـ، له عدة مؤلفات أشهرها"الواضحة"، توفي سنة 238 هـ. انظر: ابن خاقان الإشبيلي، مطمح الأنفس ومسرح التأنس، ت: محمد علي شوابكة، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1983، ق 2، ص 235؛ محسن جمال الدين، في رياض الأندلس، مجلة الرسالة الإسلامية، العراق، ديوان الأوقاف، سنة 1974، ع 70، 71، ص 49 وما بعدها؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت