فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 364

من أدخل الأندلس رأيه وفقهه، كما دوّن قاسم بن أصبغ في مسند حديث مالك وغريبه وقام عبد الملك بن حبيب بتأليف"الواضحة"، وهو من أهم شروح الموطأ، وألّف العتبي كتابه"المستخرجة"ويسمى أيضا"العتبية"نسبة إليه، فاستفاد من جاء بعدهم من هذه المؤلفات، فكثيرا ما يلجأ المفتون والقضاة إلى الواضحة والمدونة والعتبية، إذ يجدون فيها حلولا مدققة في القضايا والنوازل التي كانت تحل بهم وتواجههم؛ لذلك عكفوا على شرحها إذ قام ابن رشد الجد [1] بشرح العتبية في كتابه"البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل"، كما شرح المدونة في كتابه"المقدمات الممهدات"، وقد أجاد فيهما.

فكان جل اهتمام الفقهاء في هذه المرحلة على فقه المسائل [2] ، والفروع والوثائق [3] .

(1) - هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، قاضي الجماعة بقرطبة، ولد بها سنة 450 هـ، كان فقيها عالما، حافظا للفقه، عارفا بالفتوى على مذهب مالك، بصيرا بأقوالهم، واتفاقهم واختلافهم، ترك مؤلفات جليلة أهمها:"البيان والتحصيل"، وهو خلاصة وافية محيطة بالفقه المالكي، وله أيضا"المقدّمات الممهدات، لبيان ما اقتضته أصول المدونة من الأحكام الشرعيات"، قال عنها محققها محمد حجي بأنها: «تأملات فقيه مالكي ضليع بلغ درجة الاجتهاد المذهبي، بل الاجتهاد المطلق ... ،وله فتاوى مشهورة» . انظر: ابن رشد، المقدمات، ت: محمد حجي، بيروت، دار الغرب، ط 1، 1988، 1/ 6؛ الديباج، ص 278؛ الصلة، 2/ 576؛ بغية الملتمس، ص 43.

(2) - عبد المجيد تركي، قضايا ثقافية من تاريخ الغرب الإسلامي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1988، ص 238.

(3) - الوثائق: جمع وثيقة، وهي ما يُشدُّ ويُربط لئلا ينقلب ويذهب، ولما كانت العقود يُعرف بها ما جرى سُميت شروطا وسُميت عقودا لأنها ربطت كتبه، كما ربطت قوله، والشروط والوثائق والعقود أسماء لمسمى واحد. وعلم الوثائق علم شريف، فكما يلجأ إليه الملوك والفقهاء، يلجأ إليه أيضا أهل الطرق و السوقة والسواد كلهم يمشون إليه، وقد بدأ علم التوثيق من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لنص القرآن على ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} (البقرة: من الآية 282) ، فبالوثيقة تضبط أمور الناس على القوانين الشرعية وتحفظ دماء المسلمين وأموالهم. بدأت نهضة هذا الفن في الأندلس في القرن الثالث الهجري، إذ أن علم التوثيق مرتبط بفقه القضاء، ويعتبر كتاب محمد بن سعيد القرطبي المعروف بابن= =الملون هو أول مؤلف في هذا العلم، ثم بعدها بدأ يتطور مع القرن الرابع هجري، فظهرت عدة مؤلفات أهمها: وثائق محمد بن يحي بن لبابة القرطبي المعروف بالبرجون، ووثائق ابن العطار، ... وغيرهما كثير، أما القرن الخامس فهو العصر الذهبي لفن التوثيق إذ ألّفت فيه كتب قيّمة كانت فيما بعد مرجعا أساسيا للفقهاء والقضاة. انظر: عمر الجيدي، محاضرات في تاريخ المذهب المالكي، ص 13 وما بعدها، وله مقال في نفس الموضوع: ظهور علم التوثيق في الفقه المالكي، مجلة دار الحديث الحسنية، المغرب، 1995، ع 5، ص 123؛ وانظر: ابن فرحون، التبصرة، 1/ 282 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت