وفي مرحلة لاحقة بعد عودة محمد بن وضّاح وبقي بن مخلد [1] ظهرت بدايات الاهتمام بالدراسات الحديثية، كما استفاد الفقه المالكي فيما بعد من دعوة الموحدين [2] التي كانت تدعو للرجوع
(1) - بقي بن مخلد (ت: 276 هـ) ومحمد بن وضّاح (ت: 287 هـ) لهما الفضل الكبير في ترسيخ مدرسة الحديث بالأندلس ولقد واجها في البداية معارضة شديدة من طرف الفقهاء الفروعيين. يقول ابن الفرضي عنهما: «أنكر عليه أصحابه الأندلسيون ... ما أدخله من كتب الاختلاف، وغرائب الحديث، وأغروا به السلطان وأخافوه به، ثم إن الله - بمنه وفضله - أظهره عليهم ... فنشر حديثه وقرأ للناس روايته، فمن يومئذ انتشر الحديث بالأندلس، ثم تلاه ابن وضّاح، فصارت الأندلس دار حديث وإسناد، وإنما كان الغالب عليها قبل ذلك حفظ رأي مالك وأصحابه» وقال ابن حزم عن بقي: (وإذا أسمينا بقي بن مخلد لم نسابق به إلاّ البخاري ومسلما وأبا داود و النسائي»، انظر: ابن حزم، الرسائل، ت: إحسان عباس، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 2، 1987، 2/ 187؛ ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، 1/ 170 وما بعدها.
(2) - قامت الدولة الموحديّة من نحو 540 هـ إلى 650 هـ، وهي عبارة عن جماعة إصلاحية، قامت على أساس دعوة دينية وسياسية معيّنة ارتبط بها منهج الحكم، فمؤسسها و داعيتها المهدي بن تومرت ادّعى التجديد و المهدوية، وكانت هذه الدولة تقوم على دعامتين أولاهما: فكرة التوحيد التي استمدّها من المعتزلة و الأشاعرة وغيرهما، والتي أصبحت مميزة لأتباعه، فنسبهم إليها وسماهم الموحّدين، ثانيهما: الاجتهاد في التشريع والفقه القائم على الكتاب والسنة، فخصّص لذلك كتابه (أعز ما يطلب) ، انظر: عبد الهادي الحسيسن، موقف الموحّدين من المذهب المالكي، مجلة القرويين، جامعة القرويين، 1992، ع 4، ص 269 وما بعدها؛ فاروق حمادة، النهضة الفقهية في ظلال الدولة الموحدية، مجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرّخين المغاربة، الرباط، 1997،= =ع 4، ص 149؛ فاروق حمادة، المذهبية في فكر أبي الوليد بن رشد الحفيد، مجلة التاريخ العربي، الرباط، 1998، ع 6، ص 256؛ ابن خلدون، تاريخ العبر، 6/ 225، (ط: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت) .