القرون على موت العلم ... حتى آلت الحال ألاّ ينظر في قول مالك وكبراء أصحابه، ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة وأهل طاعنكة ... ولولا أن الله مَنّ بطائفة تفرّقت في ديار العلم، وجاءت بلُباب منه كالقاضي أبي الوليد الباجي، وابن محمد الأصيلي، فرشّوا من ماء العلم على هذه القلوب الميّتة ... لكان الدين قد ذهب» [1] .
ويزداد اهتمام الأندلسيين بعلمي أصول الفقه والخلاف مع الفيلسوف الفقيه ابن رشد الحفيد [2] ، الذي ألّف كتابه:"بداية المجتهد ونهاية المقتصد"يقول ابن الأبار: «ذكر فيه أسباب الخلاف وعلّل، ووجّه فأفاد وأمتع
(1) - ابن العربي، العواصم من القواصم، طبع بالجزائر، ط 1936، 2/ 6، 8؛ وانظر: الناصري، الاستقصا، 1/ 121.
(2) - هو محمد بن أحمد بن محمد بن رشد أبو الوليد القرطبي، فقيه مالكي وفيلسوف وطبيب، ولد سنة 520 هـ، تلقى تعليمه بالأندلس، حيث إنه لم يترك الاشتغال بالعلم _ منذ عقل _ سوى ليلة موت أبيه وليلة عرسه، تولّى التدريس والقضاء بقرطبة، عني بكلام أرسطو وترجمه إلى العربية، وزاد عليه زيادات كثيرة، اتّهم بالزندقة، والإلحاد فنفي إلى مراكش، وأحرقت بعض كتبه، مات بمراكش ودفن بقرطبة سنة 595 هـ، برع في الطب إذ كان يُفزع إلى فتواه في الطب كما يفزع إلى فتواه في الفقه، ويلقّب بالحفيد تمييزا له عن جده أبي الوليد، له عدة مصنفات: فصل المقال، بداية المجتهد، تهافت التهافت، والكليّات في الطب، ورسالة في حركة الفلك. انظر: التكملة، 2/ 552؛ شذرات الذهب، 4/ 320؛ فاروق حمادة، المذهبية في فكر أبي الوليد بن رشد (الحفيد) ، مجلة التاريخ العربي، ع 6، ص 254؛ عبد المتعال الصعيدي، المجدّدون في الإسلام، مصر، مكتبة الآداب، ص 220 وما بعدها؛ عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ت: محمد سعيد العريان، مصر، مكتبة الثقافة الدينية، الكتاب الثالث، ص 314، 315؛ عبد الكريم اليافي، مكانة ابن رشد في تاريخ المعرفة الإنسانية، المجلة العربية لبحوث التعليم العالي، دمشق، 1984، ع 1، ص 94.