فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 364

استصلاحي رصين وراسخ.

ولكن الاستصلاح النصي أحكم وأولى بالاعتبار والنظر؛ فإذا كان المفتي قد خشي أن يفطر الأمير كل يوم ويعتق رقبة، فأي مصلحة أعظم من هذه، والشرع طالما اعتنى بالحرية وجعل العتق أحد الوسائل لتحقيقها، كما اعتنى بإسعاف المحتاجين ومساندتهم ولو بشق تمرة. فإطعام ستين مسكينًا عمل جليل ومصلحة عظمى في ميزان الشرع، خاصة أن كثيرا من الناس - اليوم - يعانون الجوع والحرمان.

وقد وصف الحجوي فتوى يحيى بأنها شاذة؛ لأخذه بالمصلحة في مقابل النص، وذلك لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تغيير حدود الشريعة بتغير الأحوال، فتنحل رابطة الدين وتنفصم العرى [1] .

وجاء في النفح: «قال بعض المالكية: إن يحيى ورّى بهذا ورأى أنه لم يملك شيئًا إذ هو مستغرق الذمة، فلا عتق له ولا إطعام، فلم يبق إلا ّالصيام» [2] .

ويبدو لي أن يحيى تأثر بشيخه الإمام مالك الذي استُفتي من قبل هارون الرشيد في نوع الكفارة الواجبة عليه لحنثه في يمين، فأجابه: صيام ثلاثة أيام ... وحين قال الرشيد: أأنا معدم؟ وقال الله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام} [3] فأقمتني مقام المعدم؟ فلم يتردد مالك في أن يقول: نعم يا أمير المؤمنين، كل ما في يدك ليس لك، فعليك صيام ثلاثة أيام [4] .

(1) - الفكر السامي، 1/ 98.

(2) - نفح الطيب، 2/ 11.

(3) - المائدة، من الآية 89.

(4) - انظر: الاعتصام، 1/ 374، 375.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت