وممن خالف مذهب مالك واختار مذهبًا غيره: عبد الملك بن حبيب [1] ، ومحمد بن عمر بن لبابة [2] ، وابن رشد الحفيد [3] ، وابن العربي [4] ، وغيرهم ... ولو تتبعنا أعلام المدرسة الأندلسية الذين خرجوا على مذهب مالك في بعض النوازل لطال تعدادهم، وعلى كل فهؤلاء رسموا منهجًا في التعامل مع النوازل والفتاوى دلّ على سعة آفاقهم ورسوخهم في فهم مقاصد الشرع؛ فقد أدركوا أن الفقهاء المتقدمين عندما شهروا قولا ما فهموا أنه يحقق مصالح العباد في ذلك الزمن، ولما أراد الفقهاء المتأخرون أن يطبقوا ذلك المشهور - في زمنهم - في بعض النوازل لم تتحقق المصلحة. فيمكن القول - إذن - بأن اعتبار تغير الأحكام لتغير الأسباب والظروف جارٍ على أصل المذهب في المحافظة على المصالح المعتبرة في الشرع.
هذا هو المنهج الذي غرس بذوره الأولى إمام المذهب برفضه حمل المسلمين على اتباع مذهبه والاقتصار عليه [5] ، ولأخذه بأصل مراعاة الخلاف الذي يتيح الأخذ بقول المخالف الذي قوي دليله [6] ؛ فظهر - بذلك - مصطلح"ما جرى به"
(1) - انظر: الباجي، المنتقى، 3/ 197؛ ومحمد بن أبي زيد القيرواني، الرسالة، دار الغرب الإسلامي، ص 77؛ وابن عبد البر، الكافي، ص 69.
(2) - انظر: المدارك، 4/ 401.
(3) - بداية المجتهد، 1/ 81.
(4) - انظر: أحكام القرآن، 1/ 102، و 3/ 1419، و 4/ 1838.
(5) - أراد الخليفة المنصور أن يبعث إلى الأمصار بكتاب الموطأ ليلزمهم به دون غيره، فقال له مالك: «لا تفعل، فإن الناس سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ... وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم» . المدارك، 1/ 193. وعلّق ابن الحاج على كلام الإمام مالك قائلا: «فانظر إلى هذا الكلام منه مع اعتقاده فيما ذهب إليه أنه هو الأولى والأرجح على مقتضى الأصول والنظر، فلم يطعن على ما ذهب إليه غيره ولم يعبه، ولم يقل: الأولى أن يرجع إلى ما رأيته» . المدخل، مصر، البابي الحلبي، ط 1، 1960، 1/ 111.
(6) - الرصاع، شرح حدود ابن عرفة، ط: تونس، 1350 هـ، ص 177 - 183.