العمل" [1] في الأندلس، فتأثر فقهاء المغرب وقضاتها وأصبحوا يصدرون فتاوى وأحكامًا بما كان يجري به عمل قرطبة والأندلس تقديرًا لحجية الأحكام التي تقرر العمل بها عند فقهائها؛ وهذا يعد مظهرًا من مظاهر استقلال الفقه الأندلسي المالكي."
ومما سبق عرضه يتبيّن للباحثة أن المستشرق سانشيت [2] ألبورنوث الذي وصف علماء الأندلس وفقهاءها بالجمود والتحجر والتعصب للمذهب المالكي لم يتتبع جيدًا تاريخ أعلام المدرسة المالكية الأندلسية وما تميزوا به من سعة الاطلاع والتّفتح على آراءٍ من خارج المذهب - كما ذكرت سالفًا-.
ويبدو أن حكمه عليهم فيه كثير من
(1) - إن العمل هو العدول عن القول الراجح أو المشهور في بعض المسائل إلى القول الضعيف فيها، مراعاة لمصلحة الأمة وما تقتضيه حالتها الاجتماعية، فقد يعمد بعض القضاة إلى الحكم بقول يخالف المشهور لسبب من الأسباب، كدرء مفسدة أو خوف فتنة أو جريان عرف أو تحقيق مصلحة أو نحو ذلك، فيأتي مَنْ بعدَهُ ويقتدي به، حتى إذا زال الموجب الذي كان سببًا لقيام = =العمل عاد الحكم للمشهور. انظر: عمر الجيدي، العرف والعمل في المذهب المالكي، ص 342.
ولنظرية الأخذ بما جرى به العمل ضوابط منها: أن يكون ثابتًا، وأن يندرج الحكم الذي جرى به العمل تحت أصل شرعي، وأن تراعى الظروف الزمانية والمكانية والعوامل الاجتماعية والحضارية في الحكم الذي يجري به العمل بحيث يتغير الحكم إذا تغيرت تلك الظروف أو تغيرت تلك الأحوال. كما يجب أن يبنى على أسس وموجبات يعتبرها الشرع في بناء الأحكام الاجتهادية كالعرف والضرورة، كما أن أحكام العمل يجب أن تصدر عن فقهاء مؤهلين أتقياء. انظر: عبد السلام العسري، نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب، ص 147 وما بعدها.
(2) - ولد في مدريد، ونال الدكتوراه في العلوم والرياضيات. انتخب وكيلا لمعهد الدراسات العربية بمدريد، وعضوًا في معهد آسين بالاثيوس. له كتاب في قسم المواريث بين المسلمين على مذهب مالك. انظر: نجيب عفيفي، المستشرقون، القاهرة، دار المعارف، ط: 4، ص 198، 199.