وفي هذا الشأن يقول أبو إسحاق: «وحاصل الأمر أن أصحابه كانوا مقتدين به مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم وأثنى على متبوعهم محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما خُلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [1] . فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة وجاءت السنة مبيّنة له، فالمتّبع للسنة متّبع للقرآن والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلة للجنة بفضل الله ... » [2] .
ولقد اعتبر التابعين أيضا من السلف الصالح الذي ينبغي أن يُقتدى به [3] ، ومن الفتاوى التي رجع فيها إلى أقوال الصحابة لما سئل عن قراءة الكهف بعد عصر الجمعة، فأجاب بأنه أمر مخترع وفعل مبتدع، لم يجر مثله قط في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في زمان الصحابة رضي الله عنهم، حتى نشأ أقوام خالفوا عمل الأولين.
ثم ذكر بعدها قول - الصحابي الجليل - حذيفة ين اليمان العبسي [4] - رضي الله عنه- فقال: «ونُقل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تتعبّدوها، فإنّ الأول لم يدع للآخر مقالا ... » [5] .
واستدلّ أيضا بأقوال التابعين في حكم قوم يجتمعون للذكر وبعد انتهائهم منه يغنون ويضربون بالأكف، ويرقصون إلى آخر الليل ... [6] .
فأجاب بأن ذلك بدعة لم تكن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا من بعدهم، واستدلّ بأحاديث نبوية، ثم نقل قول الحسن
(1) - القلم:4.
(2) - الاعتصام، 2/ 470.
(3) - انظر: الفتاوى، ص 182، 190.
(4) - انظر ترجمته: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، 1/ 317.
(5) - المصدر السابق، ص 198، وانظر: فتوى ص 201، اعتمد فيها على قول ابن مسعود رضي الله عنه.
(6) - انظر: المصدر نفسه، ص 193.