وبعد أن ذكر الشاطبي ما نُسب إليه، بيّن أن كل ذلك وهم وهو منه برئ، فقال: «وكذبوا عليّ في جميع ذلك، أو وهموا، والحمد لله على كل حال» [1] .
ومن خلال كل ما حكاه أبو إسحاق -رحمه الله - يمكن تصوير جوانب من الواقع المزري الذي كان عليه المجتمع الأندلسي من انتشار للفساد والبدع، مما جعله يثبت أكثر ويستمر في دعوته لإحياء دين الحق بروح قوية وصلبة؛ لكن الغرض لم يكن قريب المنال، والمأمول دون الوصول إليه عقبات؛ فكما أن للحق رجالا، فإن للباطل حرّاسه؛ لذلك لاقى - رحمه الله - في قيامه بواجبه - كعالم واع - عناءً شديدًا حتى وصلت به حد المحنة إلى الشعور بالغربة وهو بين أهله وعشيرته، فلم تزده - هذه المحنة - إلاّ إصرارا على الحق وثباتا للدفاع عن صفاء الدين ونقاء عقيدته، متمسّكا بضرورة تبصير الناس بحقائق دينهم، داعيا إلى الاحتكام لميزان الكتاب والسنة ومنهج الصحابة ومن تبعهم من السلف الصالح.
ولتحقيق ذلك حاول استخدام شتى الوسائل الممكنة فلجأ إلى تأليف كتابه المشهور"الاعتصام"في البدع؛ لأنه «قلّما صُنِّف فيها على الخصوص تصنيف، وما صنّف فيها فغير كاف في هذه المواقف، مع أن الداخل في هذا الأمر اليوم فاقد المساعد، عديم المعين ... » [2] .
كما لجأ إلى الإفتاء عندما كان يرجع إليه الناس يستفتونه في أمور دينهم فبيّن لهم السنة من البدعة، والحق من الباطل. ولقد كان للشاطبي فتاوى كثيرة في مجال البدع والمحدثات أذكر بعضها:
منها فتواه في رجل أُشهد عليه انتحال طريقة الفقراء التي اشتهر بها أهل الإباحة الذين يحلّون ما حرّم الله، واُتّهم أيضا بطريقة أهل الزندقة الذين يظهرون الإسلام ويستترون بالكفر، وثبت ذلك عند الحاكم، كما شهد عليه أحدهم بأنه فسّر قوله تعالى: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [3] تفسيرا لا يليق بالمولى عز وجل المنزه
(1) - المصدر نفسه.
(2) - الاعتصام، 1/ 22، 23.
(3) - البقرة: 255.