أما الإمام مالك فقد سئل عن الغناء الذي يُفعل في المدينة؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفسّاق، وهذا محمول على غناء النساء، وأما الرجال فغناؤهم مذموم أيضا بحيث إذا داوم أحد على فعله أو سماعه سقطت عدالته، لما فيه من إسقاط المروءة ومخالفة السلف.
واستدل أيضا بما حكاه القاضي عياض عن التنيسي [1] ، ثم قال الشاطبي: «وعلى الجملة فواجب على كل من كان قادرا على تغيير ذلك المنكر الفاحش، القيام بتغييره وإخماد نار الفتنة به، فإن البدع في الدين هلاك، وهي في الدين أعظم من السم في الأبدان، والله الواقي بفضله» [2] .
والسؤال نفسه ألقي على الحفّار - أستاذ الشاطبي - فأجاب: «أن هذه الطائفة المنتمية للتصوّف في هذا الزمان وفي هذه الأقطار، قد عظم الضرر بهم في الدين، وفشت مفسدتهم في بلاد المسلمين ... يظهرون ما انطوى عليه باطنهم من الضلال؛ من تحليل ما حرّم الله، والافتراء عليه وعلى رسوله ... فهم أعظم ضررا على الإسلام من الكفار ... بهيمة من البهائم في دينه، وما أوجب الله عليه في يومه وليلته، ليس عنده من الدين إلاّ الغناء والشطح، وأكل أموال الناس بالباطل ... وهذا كله ضلال من وجوه: أعظمها أنهم يوهمون على عوام المسلمين، ومن لا عقل له من النساء، ومن يشبههن في قلة العقل من الرجال، أنّ هذه الطريقة التي يرتكبونها هي طريقة أولياء الله، وهي من أعظم ما يتقرّب به إلى الله، فيَضلون ويُضلون، وفي ذلك افتراء على الله وعلى شريعته وأوليائه» [3] .
وسئل أيضا عن قراءة سورة الكهف بعد صلاة العصر من يوم الجمعة يقرؤها الناس على صوت واحد؟ فأجاب: «أن قراءة القرآن على الجملة إما تذكرا لحفظه، أو للتفقه في معانيه، أو للاعتبار في آياته، أو لتعلّمه وتحفّظ مطلوبه، وجاء في فضل ذلك كثير من القرآن والسنة ... أما قراءته بالإدارة وفي وقت معلوم على ما نص في السؤال وما أشبهه، فأمر مخترع وفعل مبتدع، لم يجر مثلُه قط في زمان رسول الله
(1) - بشر بن بكر البجلي الدمشقي التنيسي، ولد سنة 124، وتوفي سنة 255، وقيل سنة 205. انظر: تهذيب التهذيب، 1/ 443.
(2) - انظر: المعيار المعرب،11/ 39، 40؛ الفتاوى، ص 196.
(3) - انظر: المعيار، 11/ 42، 43.