اتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا بطريق من كان قبلكم» [1] ، ويقول في أخرى: «إن كان فهم هذا المعترض مثل هذه المسائل، فأحسن الله عزاءه في فهمه وعلمه به» [2] .
فهذا النص دليل ظاهر صريح يعبّر عن مدى تألّمه وحزنه لما آل إليه هؤلاء من جهلهم بالدين الحق فتركوا السنة وأماتوها، واتّبعوا البدع وأحيوها.
ونجد في بعض فتاويه عاطفة جيّاشة تفيض رأفةً ورحمةً، تدل على رقّته وإحساسه المرهف، ومن ذلك ما كتبه مواسيا لأحد الدعاة لما بثّ له حزنه وظلم الناس: «ثم وصلني بعد ذلك أنكم أُخّرتم عن الإمامة بموضعكم وتقديم غيركم [3] (وعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [4] ،) فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [5] . وقال لآخر «وعلى الجملة فالزمان زمان وقوع ما أخبر عنه الصّادق المصدوق صلى الله عليه وسلّم، وأن المتمسّك فيه بدينه كالقابض على الجمر، ولكن الأجر فيه بحول الله جزيل ورب العزة بحفظ الحوزة كفيل. فلا عليكم فإن الله معكم ما قصدتم وجه الله بأعمالكم وثابرتم على اتباع الحق والمشي على طريق الصواب، ورِضى المخلوق لا يغني من الله شيئا، والله سبحانه يتولاني وإياكم بما تولى به عباده الصالحين. وما ذكرتم من حال صنفنا في هذه المقامات، فاصبر فإن العاقبة للمتقين» [6] .
فهذه كلمات طبيب ماهرٍ، تشفي القلب، وتثلج الصدر، وتضمّد جرح هذا العليل الذي سخط عليه الناس؛ لأنه أراد تغيير المنكر والدعوة لدين الحق.
وتدل فواتح الفتاوى و خواتمها أنها صيغت في رسائل موجهة للمستفتين - كما أسلفت الذكر- وهي تفصح عما تبتدئ به الرسائل أو تفتتح به رؤوس المسائل،
(1) - فتوى رقم 48، ص 198.
(2) - المصدر نفسه، ص 202.
(3) - المصدر نفسه، ص 184.
(4) - البقرة: 216.
(5) - النساء: 19.
(6) - المصدر نفسه، ص 185، 186.