إلى ما علم من قصد الشارع في أمثال تلك الأشياء المفروضة، كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوات مصلحة من جهة أخرى [1] .
وفي منطقة العفو يأتي أيضا دور المصلحة المرسلة وهي: «الوصف الذي يلائم تصرفات الشرع ومقاصده، ولكن لم يشهد له دليل معيّن من الشرع بالاعتبار أو الإلغاء، ويحصل من ربط الحكم به، جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الناس كالمصلحة التي رآها الصحابة في جمع المصحف واتخاذ الدواوين» [2] .
والمصلحة المرسلة أخصب الطرق التشريعية فيما لا نص فيه، وفيها المتسع لمسايرة تطورات الناس و تحقيق مصالحهم وحاجاتهم [3] ، والعرف أيضا يدخل في منطقة العفو فيتسع المجال للأخذ به ومعناه هو: ما استقر في النفوس من جهة العقول و تلقته الطباع السليمة بالقبول [4] ، و يعتبر العرف دليلا في الشريعة الإسلامية فبنى عليه الفقهاء كثيرا من الأحكام، كما في قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [5] ، فالعرف هو المحكّم في تحديد نفقة المرأة [6] .
فما تعارف عليه الناس وصار من حاجاتهم مما لا يخالف الشرع يجب مراعاته؛ لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالحهم.
ومن عوامل مرونة الشريعة أن أغلب أحكامها
(1) - الموافقات، 4/ 149.
(2) - وهبة الزحيلي، أصول الفقه، ص 87.
(3) - عبد الوهاب خلاف، مصادر التشريع فيما لا نص فيه، للكويت، دار القلم، ط 5، 1402 هـ، 1982، ص 85.
(4) - القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، ص 234.
(5) - البقرة: 233.
(6) - انظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ت: أحمد عبد العليم البردوني، القاهرة، دار الشعب، ط 2، 1372، 18/ 171؛ و الطبري، التفسير، بيروت، دار الفكر، ط: 1405، 2/ 496؛ ابن كثير، التفسير، بيروت، دار الفكر، ط: 1401، 1/ 284؛ الشوكاني، فتح القدير، بيروت، دار الفكر، 1/ 247.