جاءت في شكل قواعد ومبادئ عامة [1] ، ولم تتعرض للتفصيلات إلاّ فيما كان من الثوابت، فمساحة الاجتهاد والحركة واسعة جدا -؛ لأنها مما يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال - و من ثَم لا يقع الناس في ضيق وعنت بإلزام الشارع إياهم بصور معينة، مفصلة تصلح لعصر دون عصر.
كما أن بعض الأحكام الجزئية جاءت ظنية الدلالة تتسع لأكثر من تفسير، وتدل على عدة معان بالتساوي، وقد تدل على معنى معيّن مع احتمال دلالته على معنى آخر غير معنى الأول، وهذا الاحتمال ينشأ من وجود لفظ مشترك أو من لفظ تحفّ به قرائن تجوز صرفه عن معناه الحقيقي إلى معنى مجازي، أو تصرفه عن العموم إلى الخصوص أو عن الإطلاق إلى التقييد ومثال ذلك قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [2] .
فدلالة لفظ"القرء"ظنية؛ لأنها دلت على معان عدة، ولماّ تعددت المعاني تعددت الأفهام وبالتالي تتعدد الأحكام، فذهب بعض الفقهاء إلى أن المراد بالأقراء: الأطهار، وذهب الآخرون إلى أن معناها الحيض [3] ، فالمعنيان متغايران، والتغيير هنا ليس تغييرا في الحكم الأصلي، وإنما هو تغيير من حيث تعدد المعاني المستفادة من النص القرآني، الذي يعتبر كل معنى حكما مغايرا للمعنى الآخر- وفي ذلك رحمة.
ومراعاة الضرورات والأعذار وتشريع الرخص والأحكام الاستثنائية لرفع الحرج عن الخلق، من أهم عوامل سعة هذه الشريعة ومرونتها، يقول عز و جل في هذا الشأن: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا} [4] .
وبناءً على هذه العوامل وتطبيقا لها أسس المحققون من أهل العلم القاعدة الفقهية «لا ينكر تغيّر الأحكام بتبدّل الأزمان» [5] : أي أنّ الأحكام الشرعية تتغيّر وتتبدّل
(1) - انظر: عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2، 1407 هـ، 1987، ص 59.
(2) - البقرة: 228.
(3) - محمد علي الصابوني، روائع البيان في تفسير آيات الأحكام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط: 1418 هـ، 1997، 1/ 328
(4) - النساء: 28.
(5) - وهي المادة التاسعة والثلاثون من مجلة الأحكام العدلية انظر: علي حيدر، درر الأحكام شرح مجلة الأحكام، تعريب: فهمي الحسيني، بيروت، بغداد، منشورات مكتبة النهضة، 1/ 43، و هي القاعدة الثامنة و الثلاثون من شرح القواعد الفقهية للزرقا، بيروت، دار العرب، ط 1، 1983، ص 173، و جاءت بلفظ"بتغيّر الأزمان"عوض"بتبدل"؛ وانظر: الندوي، القواعد الفقهية، ص 158؛ أحمد الحجي، المدخل الفقهي، دمشق، مطبعة الجامعة، 1987، ص 65.