جاء في كفاية الطالب: «أي أحكام مستنبطة بحسب الاجتهاد مما ليس فيه نص» [1] .
ولعل أكبر مظهر من مظاهر الرعاية لأحوال الناس وأعرافهم مذهب الإمام الشافعي، وتحوله من رأي إلى رأي، عندما انتقل من العراق إلى مصر [2] ، فقد وضع مذهبه أول الأمر متأثرا بآراء شيخه الإمام مالك، و بعرف أهل الحجاز، ثم رحل إلى العراق مرتين، فخالط أهله وتأثر بعباراتهم وعرفهم، وكان لذلك مدخل في تكوين آرائه، ووضع عند ذلك كتابه"الحجة"، فدوّن فيه مذهبه الذي يعرف بـ"القديم"ثم نزح بعد ذلك إلى مصر فأقام فيها بقية عمره، وخالط أهلها، وعرف عندهم عوائد وعادات تختلف عما وجده في العراق، وكان لهذا مدخل جديد في آرائه، فعدل عن بعض ما دوّن في مذهبه الأول، ومن هذه الآراء الجديدة تكوّن مذهبه الثاني الذي يعرف بـ"الجديد".
فمسايرة هذا التغير وما يحدث للناس من نوازل وأقضية ليس مقصورا وحده على الشريعة الخاتمة؛ بل هو سابق في شرع من قبلنا، وسنة من سنن الخالق في تشريعه لخلقه، ويؤكد هذا ما جاء في الذخيرة: «وهذه سنة الله في خلقه، فأول بدء الإنسان في زمن آدم كان الحال ضعيفا ضيّقا فأبيحت الأخت لأخيها و أشياء كثيرة وسع فيها، فلما اتسع الحال وكثرت الذرية، وعتت النفوس حرم ذلك في زمن بني إسرائيل، وحرّم السبت ... وفرض عليهم خمسون صلاة ... إلى غير ذلك من التشديدات، ثم جاء آخر الزمان فهرمت الدنيا و ضعف الجسد، وقل الحبيب ولان النفوس، أحلت تلك المحرمات، و عملت الصلوات خمسا و خففت الواجبات، فقد اختلفت الأحكام و الشرائع بحسب اختلاف الأزمان و الأحوال، و ظهر أنها سنة الله في سائر الأمم، وشرع من قبلنا شرع لنا فيكون ذلك بيانا على الاختلاف
(1) - أبو الحسن المالكي، كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني، ت: يوسف الشيخ محمد البقاعي، بيروت، دار الفكر، 1412، 2/ 442.
(2) - انظر: محمود الشرقاوي، تقويم الفكر الديني و صلته بالقومية العربية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 1960، ص 108.