عند اختلاف الأحوال في زماننا وظهر أنها من قواعد الشرع وأصول القواعد، ولم يكن بدعا عما جاء به الشرع» [1] .
وأدرك هذه الحقيقة أيضا عالم الاجتماع العلاّمة ابن خلدون فقرر في مقدمته «أن أحوال العالم و الأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عباده» [2] .
وإنّ هذه الحقيقة سبق بها علماء الإسلام علماء الغرب بما لا يقل عن خمسة قرون فقبل أن يدركها"مونتيسكيو" [3] وغيره من علماء الاجتماع والقانون، أدركها القرافي، وابن القيم، والشاطبي، و غيرهم منذ القرن الثالث عشر للميلاد، وقد نوه بها في أواخر القرن التاسع عشر مفتي الديار المصرية الإمام محمد عبده في مقالة اختلاف القوانين باختلاف الأمم [4] . فكان القصد من قاعدة"لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان": إفادة التغيرات التي تظهر بمرور الزمان بسبب العوامل [5] ، كما أن العمل بمقتضاها - أي القاعدة- يحفظ للشريعة بقاءها و استيعابها للمستجدات المختلفة عبر الزمان والمكان.
(1) - القرافي، الذخيرة، 10/ 46، 47.
(2) - ابن خلدون، المقدمة، ط: دار البيان، ص 28.
(3) - هو عالم الاجتماع القانوني، وفي رده على أصحاب المدرسة الطبيعية التي تقول بثبات الأحكام يقول:"إن القانون ليس بالضرورة واحدا في جميع بقاع العالم، بل إنه يتوقف على عدد من الظروف التي لا تكون على نسق واحد في كل مكان"انظر: حسن السعاتي، علم الاجتماع القانوني، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 3، 1968، ص 120.
(4) - انظر صبحي محمصاني، فلسفة التشريع الإسلامي، بيروت، دار العلم للملايين، ط 3، 1961 م ص 200 و ما بعدها.
(5) - بنتام، أصول التشريع، تر: أحمد أفندي، فتحي زغلول، القاهرة، المطبعة الأميرية العامة، ط 1، 1309، ص 63 و ما بعدها.