إلا أن بعض العلماء أبدى تخوّفا وتحفظا على هذه القاعدة وأنكر تغير الأحكام بتغير الأحوال والمصالح والأعراف أو بأي شيء آخر، فقالوا: وجدنا في القرآن [1] . قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [2] ، فجميع الأحكام عندهم ثابتة، لم يفرقوا بين العبادات و المعاملات، و لم ينظروا فيهما إلى معقول المعنى [3] ، فهم لم يبنوا نصوص الشريعة على علل مطّردة أو غير مطّردة؛ لأنهم يعتبرون الأحكام لا تقبل التفسير و التبديل و يمثل هذا الاتجاه أهل الظاهر [4] .
هذا وقد اعتبر البوطي - مناسبة الحكم للنوازل حسب الاختلاف الزماني والمكاني- تحقيقا لمناط الحكم و ليس تبدّلا له، فقال: «و إن بدا أنه تبدل و تغير في الحكم؛ إلاّ أنه لا يُعتبر في حقيقته تبدلا لحكم شرعي ثابت عن الأصل، إذ هو من أساسه ليس إلا تطبيقا لأوجه متعددة لحكم شرعي ثابت» [5] فدوران الأحكام مع مناطاتها [6] لا يُعد تبدّلًا حقيقيا لها و إنما الذي يتبدل هو الوسائل والأساليب الموصلة إلى تحقيق الحكم فـ «عندئذ يصبح قول من قال (تتبدل
(1) - محمد أبو زهرة، ابن حزم حياته و عصره آراؤه و فقهه، دار الفكر العربي، ص 324.
(2) - الأنعام: 38.
(3) - الشاطبي، الاعتصام، مصر، مطبعة مصطفى محمد، 2/ 111.
(4) - راجع خلاصة اتجاههم عند: ابن القيم، إعلام الموقعين، 3/ 19.
(5) - محمد سعيد رمضان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، بيروت مؤسسة الرسالة، ط 6، 1422 هـ، 2001، ص 245.
(6) - مناطات جمع مناط من ناط الشيء إذا علقه و في الاصطلاح: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي يدور مع الحكم وجودا و عدما وهو العلة الشرعية، وسميت مناطا لأنّ الحكم يناط بها، أي يعلق بها، و مناط الحكم علته؛ لأن الحكم يتعلق بالعلة وجودا وعدما. انظر: محمد روّاس قلعه جي، الموسوعة الفقهية الميسرة، بيروت، دار النفائس، ط 1، 2000، 2/ 1838؛ قطب مصطفى سانو، معجم مصطلحات أصول الفقه، دمشق، دار الفكر، ط 1، 2000، ص 450.