الأحكام بتبدل الأزمان) إما كلاما لا صحة له إن حُمل على ظاهره كما قد يفهمه كثير من الناس، و إما كلاما مُتجوّزا فيه محمولا على غير ظاهره» [1] .
ويناقش أحد المعاصرين ما نسبه بعض الباحثين إلى ابن القيم والشاطبي في الأخذ بهذه القاعدة، بعد أن عرض أدلة القائلين بتغير الأحكام و قام بنقدها إلى أن يقول: «و بهذا يتبيّن الصبح لكل ذي عينين، لنعلم بعد ذلك أن ما نُسب إليهما لا دليل عليه، بل شُبِّه على كثيرين، ودعوى اتّباع المصالح والأعراف ... لا تصلح لتأسيس هذه القاعدة المحدثة، ولا بد أن يعلم جميع الخلق علماؤهم وعوامهم أن جميع الأحكام التي جاءت بها هذه الشريعة لا زوال لها و لا تبدل و لا تغير في جميع العصور والأزمان» [2] . فالأحكام عنده ثابتة، فلا تغير ولا تبديل، وإنما هو اختلاف وقائع وتحقيق مناط.
وقد أنكر هؤلاء القاعدة خوفا من استغلال بعض الناس [3] لها وجعلها مرتكزا لنسف قواعد الإسلام، خاصة وأن العلمانيين وجدوا فيها مرتعا خصبا
(1) - ضوابط المصلحة، ص 253.
(2) - عابد بن محمد السفياني، الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية، مكة، مكتبة المنار، ط 1، 1988، ص 533.
(3) - لقد رفض البوطي و عابد بن محمد السفياني قاعدة تغير الأحكام خوفا و حذرا؛ وسدا للباب أمام الدخيل على الشريعة باسم الإسلام حتى لا تضيع أحكام الدين و أسسه ... على عكس الذين وجهوا هجوما عنيفا إلى الشريعة فاتهموها بالجمود والتحجّر، وقاد هذا الهجوم بعض المستشرقين الذين درسوا الشريعة بأحكام مسبقة، فلم يروا منها إلا ما أرادوا أن يروا من السوء والنقص، ومن هؤلاء"زييس Zeys"و هو من كبار رجال القانون، يقول عن التشريع الإسلامي"إن الشرع الإسلامي محكوم عليه بالجمود" (انظر: Zeys, Traite elementaire de droit, Algerie, 1885, 1/9.) ، ولما أراد غوستاف لوبون"Gustave Le Bon"أن يشرح ويحلل البواعث على الانحطاط الثقافي أو"الفكري"، لم يجد ما يهاجمه إلا أحكام القرآن فوصفها «بأنها ثابتة لا تتطور ولا تتبدل، فلا حائل دون نهوض العرب مرة ثانية إلّا هذا القرآن الذي هو في نظر المؤمنين به غير قابل للتعديل و لا للتبديل» (انظر: صبحي الصالح، معالم الشريعة الإسلامية، ص 298) . و يقول المستشرق"جرونيباوم": «إن القرآن عاد في أحوال معينة فنسخ وصايا بعينها أنزلت على نبيّه مستعيضا عنها بآيات ... فلما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه قضى على وسيلة هذا التغيير الأساسي أو تلك المسايرة للظروف» (انظر: جرونيباوم، حضارة الإسلام، تر: عبد العزيز توفيق جاويد، راجعه: عبد الحميد العبادي، ط: 1956، ص 184) . ويبدو أن دواعي افتراءاتهم هذه، منشؤها قلة اطلاعهم ودراساتهم للشريعة الإسلامية أو أغراض أخرى، وأنقل هنا بعض ما جاء في كتاب"رأيهم في الإسلام" (لوك باربولسكو، فيليب كاردينال، لندن، دار الساقي، ط 2، 1990 م، ص 21) ، وهو عبارة عن حوار صريح مع أربعة وعشرين أديبا عربيا حيث طُرِحت عليهم مجموعة من الأسئلة منها «هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم» ، فأجاب محمد أركون قائلا: «في الواقع أن الإسلام نفسه كان يمثل حداثة ... أما الآن فمما لا ريب فيه أن الإسلام قد أصبح يمثل نوعا من التراث، من التقليد، من تراكم المعارف وتراكم المواقف الثقافية المكرورة ... ثم تشكل تدريجيا فكر ثابت تحوّل بالتدريج إلى أرثوذكسية ... أقصد أنه تحول من طاقة تغييرية انبثاقية إلى تصور ثابت وثبوتي للحقيقة إلى تصور ملجوم ومسجون للحقيقة» . (انظر أيضا: محمد أركون، الإسلام والحداثة، محاضرة منشورة في كتاب: ندوة مواقف الإسلام والحداثة، لندن، دار الساقي، ط 1، 1990 م، ص 356، راجع كتاب: الفكر الإسلامي نقد و اجتهاد، له، تر: هاشم صالح، لندن، دار الساقي، ط 1، 1990) ، ويقول فؤاد زكريا: «يرتكز= =الداعون إلى الجمع بين الدين والدنيا، ومن ثم بين العقيدة والسياسة، على مبدأ صلاحية النص الديني لكل زمان و مكان، وهذا المبدأ في ذاته يولد تناقضا أساسيا عند تطبيقه على القضية التي نقوم الآن بتحليلها؛ ذلك لأن الدنيا بطبيعتها متغيرة، و أحوال المجتمع و الإنسان والسياسة لا تكف عن التطور". انظر: صلاح الصاوي، تهافت العلمانية، القاهرة، الآفاق الدولية للإعلام، 1992 م، ص 20؛ عبد الله يحيى الكمالي، الشريعة الإسلامية و فقه الموازنات، بيروت، دار ابن حزم، ط 1، 2000، ص 19 وما بعدها؛ راجع أيضا: القرضاوي، مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص 209 و ما بعدها، فقد فند دعاوي الذين رموا الشريعة بالجمود بما فيه الكفاية."