وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه -؛ قال: كنت جالسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسمعنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف [1] (ثلاث مرات) ، حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السابقة الأولى؛ فينجو من هرب منهم، وأما الثانية؛ فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة؛ فيصطلمون [2] كلهم من بقي منهم". قالوا: يا نبي الله! من هم؟ قال:"هم الترك". قال:"أما والذي نفسي بيده؛ ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين".
قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتع السفر والأسقية بعد ذلك للهرب؛ مما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من البلاء من أمراء الترك [3] .
(1) (الحجف) : قال ابن الأثير:"الحجفة: الترس"."النهاية في غريب الحديث" (1/ 345) .
(2) (يصطلمون) : الاصطلام: افتعال من الصلم، وهو القطع؛ أي: يحصدون.
انظر:"النهاية في غريب الحديث" (3/ 49) ، و"عون المعبود" (11/ 413) .
(3) "مسند أحمد" (5/ 348، 349 - بهامشه منتخب الكنز) .
قال أبو الخطاب عمر بن دحية:"هذا سند صحيح"."التذكرة"للقرطبي، (ص 593) .
قال الهيثمي:"رواه أبو داود باختصار، رواه أحمد والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح"."مجمع الزوائد" (7/ 311) .
ولكن رواية أبي داود تختلف في رواية الإمام أحمد؛ فإن ظاهر رواية أبي داود تدل على أن المسلمين هم الذين يسوقون الترك ثلاث مرات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، ففيها:"يقاتلكم قوم صغار الأعين"؛ يعني: الترك؛ قال:"تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقوهم بجزيرة العرب ... الحديث".
"سنن أبي داود"، كتاب الملاحم، باب قتال الترك، (11/ 412، 413 - مع عون المعبود) .
قال صاحب"عون المعبود":"وعندي أن الصواب هي رواية أحمد، أما رواية أبي داود؛ فالظاهر أنه قد وقع الوهم فيه من بعض الرواة."
ويؤيده ما في رواية أحمد من أنه كان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ذلك؛ للهرب مما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من البلاء من أمراء الترك.
ويؤيده أيضًا أنه وقع الشك لبعض رواة أبي داود، ولذا قال في آخر الحديث:"أو كما قال".
يؤيده أيضًا أنه وقعت الحوادث على نحو ما في رواية أحمد"."عون المعبود" (11/ 414) ."
ثم نقل عن القرطبي ما ذكره في خروج الترك، وأنهم خرجوا ثلاث مرات على المسلمين، وكان خروجهم الأخير: تدميرهم بغداد، وقتلهم للخليفة والعلماء والأمراء والفضلاء والعباد، وأنهم أوغلوا في البلاد حتى ملكوا الشام مدة يسيرة، ودخل رعبهم الديار المصرية، إلى أن تصدى لهم الملك المظفر الملقب بـ (قطز) في معركة (عين جالوت) ، فكان له النصر والظفر عليهم كما كان النصر لطالوت، وتفرقت جموعهم، وكفى الله المسلمين شرورهم.
انظر:"التذكرة للقرطبي" (ص 592 - 595) ، و"عون المعبود" (11/ 415 - 416) .