ومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور الناس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها؛ لأن في ذلك تضييعًا لحقوق الناس، واستخفافًا بمصالحهم، وإيغارًا لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم [1] .
فإذا ضيَّعَ مَن يتولَّى أمر الناس الأمانة - والناس تَبَعٌ لمَن يتولى أمرَهُم-؛ كانوا مثله في تضييع الأمانة، فصلاحُ حال الولاة صلاح لحال الرعية، وفساده فساد لهم.
ثم إن إسناد الأمر إلى غير أهله دليل واضح على عدم اكتراث الناس بدينهم، حتى إنهم ليولون أمرهم من لا يهتم بدينه، وهذا إنما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم، ولهذا ذكر البخاري رحمه الله حديث أبي هريرة الماضي في كتاب العلم؛ إشارة إلى هذا.
قال ابن حجر:"ومناسبةُ هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غَلَبة الجهل، ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط" [2] .
وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه ستكون هناك سنون خدَّاعة؛ تنعكس فيها الأمور؛ يُكَّذب فيها الصادق، ويُصَّدق فيها الكاذب، ويخوَّن الأمين، ويؤتمن الخائن؛ كما سيأتي الحديث عنه في أن من أشراط السَّاعة ارتفاع الأسافل.
ومن أشراطها قبض العلم وفشوُّ الجهل، ففي"الصحيحين"عن
(1) انظر:"قبسات من هدي الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - / في العقائد" (ص 66) لعلي الشربجي، الطعبة الأولى، (1398 هـ) ، ط. دار القلم، دمشق.
(2) "فتح الباري" (1/ 143) .