فكان النبي صلى الله عليه وسلم يوزع اللبن بيننا، وكنا نرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه. فيجيء فيسلِّم تسليمًا يُسمع اليقظان ولا يوقظ النائم. فقال لي الشيطان:
ـ لو شربت هذه الجُرعة، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الأنصار فيتحفونه
فما زال بي حتى شربتها. فلما شربتها ندّمني وقال:
ـ ما صنعت يجيء محمد صلى الله عليه وسلم فلا يجد شرابه فيدعو عليك فتهلِك. وأما صاحباي فشربا شرابهما وناما، وأما أنا فلم يأخذني النوم وعليّ شَمْلة لي إذا وضعتها على رأسي بدت منها قدماي، وإِذا وضعتها على قدمي بدا رأسي
وجاء النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يجيء فصلَّى ما شاء الله أن يصلِّي، ثم نظر إلى شرابه فلم يرَ شيئًا فرفع يده، فقلت:
ـ يدعو عليَّ الآن فأهلِك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(اللَّهمّ أطعم من أطعمني، واسقِ من سقاني)
فأخذت الشفرة وأخذت الشَّمْلة وانطلقت إلى الأعنْز أجسّهن أيتهن أسمن كي أذبحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حُفَّل كلُّهن، أخذت إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يطمعون أن يجتلبوا فيه، فحلبته حتى عَلَتْه الرَّغْوة.
ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم ناولته فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم ضحكت حتى أُلقيت إلى الأرض. فقال لي:
(إِحدى سوءاتِك يا مقداد)
فأنشأت أحدِّثه بما صنعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ما كانت إلا رحمة من الله عزّ وجلّ، لو كنتَ أيقظت صاحبيك فأصابا منها)
قلت: والذي بعثك بالحق، ما أبالي إذا أصبتَها أنت وأصبتُ فضلتك من أخطأتُ من الناس.
8 ـ وأخرج البزّار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود رضي الله عنه، فلما وجدوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح. فقال:
ـ أشهد أن لا إله إلا الله.
فأهوى إليه المقداد فقتله.
فقال له رجل من أصحابه. أقتلت رجلًا يشهد أن لا إله إلا الله؟ لأذكرنَّ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
فلما قدموا علي النبي صلى الله عليه وسلم قالوا:
ـ يا رسول الله إنَّ رجلًا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد.
فقال:
(ادعُ لي المقداد. يا مقدادُ أَقتلت رجلًا يقول لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟)
فأنزل الله تبارك وتعالى:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواوَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحياةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذالِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ .. ) النساء،: 94
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد:
(كان رجل مؤمن يُخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته؟ وكذلك كنت تُخفي إيمانك بمكة من قبل)
9 ـ جمع المقداد الستة الذي أختارهم عمر للشورى، وحين رفع عبد الرحمن بن عوف رأسه إِلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: ـ اللهم أسمع وأشهد إني قد جعلتُ ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان. فبايعه.
قال المقداد:
ـ يا عبد الرحمن أما والله لقد تركته لانه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.