وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، وبالتحديد في الفترة ما بين شهري نيسان وتشرين الأول من عام 1918 شهدت البشرية أسوأ وباء عرفه التاريخ البشري على الإطلاق، فقد انتشر في أنحاء العالم وباء الأنفلونزا الذي عرف آنذاك باسم (الجريب الإسباني) وقضى في غضون أشهر معدودات على أكثر من (50 مليون نسمة) أي ضعفي ما حصدته الحرب العالمية الأولى
وقد بلغ الفزع والرعب بالناس حدًا جعل أحد العلماء الأمريكان يومذاك يقول: إذا استمرت الجائحة بهذا التسلسل فلن تبقى حضارة إنسانية على وجه الأرض.
وكان الناس يصحون صباحًا على أتم صحة ليس فيهم شيء وفي المساء يكونون ما أصحاب القبور، حتى أمست تجارة التوابيت في تلك الأيام العصيبة من أربح التجارات، بل وصل الأزمة إلى حد أن الكثيرين من الموتى لم توجد لهم توابيت يحملون فيها، فكان من يموت يلقى على قارعة الطريق، فيأتي عمال البلدية لحمل جثته مع الفضلات!
وفي عام 1980 ظهر مرض الإيدز (AIDS) وانتشر في أنحاء العالم انتشار النار في الهشيم، وبلغ عدد ضحاياه في أقل من ربع قرن (40 مليون نسمة) قضى معظمهم نحبه ومازالت البقية تنتظر، والأخطر من هذا أن الإيدز أصبح يهدد شعوبًا بأكملها بالانقراض، ولاسيما في بعض دول أفريقيا، فقد بلغت نسبة الإصابة هناك 30? من مجمل الشعوب الأفريقية، وأمسى الإيدز السبب الأول للوفاة في جنوب الصحراء الكبرى.
وليس الإيدز هو الخطر الوبائي الوحيد في العالم، فهناك أمراض وبائية مستوطنة باتت تشكل كوارث إنسانية خطيرة، فهناك مثلًا داء الملاريا الذي يصيب (350 مليون شخص/سنويًا) ويقتل طفلًا أفريقيًا كل 30 ثانية، وهناك سوء التغذية الذي يقتل (145 مليون طفل) تحت سن الخامسة من العمر في الدول الفقيرة.
وهناك إلى جانب هذه الكوارث الصحية كوارث أخرى لا تقل خطرًا، وهي كوارث صامتة إذا صح التعبير، لأنها تعد من الممارسات اليومية المسكوت عنها، وأعني بها عادة التدخين، فهذه العادة الخبيثة يتجاوز ضحاياها أي مرض آخر، إذ يقتل التدخين (140 مليون مدخن/سنويًا) وهناك أيضًا بعض الأمراض البسيطة في مظهرها ولكنها خطيرة في نتائجها، ومنها مثلًا أمراض الإسهال التي تقتل (20 مليون طفل / سنويًا) في الدول الفقيرة!
وهكذا نجد أن الأمراض في مناسبات عديدة قد بلغت حدًا خطيرًا جدًا أوشك أن يهدد الجنس البشري، كما أن بعضها يعمل يوميًا وبصمت على إفناء الجنس البشري دون أن يقوم البشر بخطوات عملية حاسمة لوقف هذا التدمير!
فإذا أضفنا إلى هذا أن منظمة الصحة العالمية (WHO) قد سجلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين ظهور أكثر من ثلاثين مرضًا وبائيًا جديدًا فإننا ندرك حجم الكارثة التي يمكن أن تنفجر في أي وقت لتقضي على ملايين لا تحصى من البشر .. لا قدَّر الله.
الكوارث السياسية
والسياسة ـ للأسف الشديد ـ هي أمُّ الكوارث، وكثيرًا ما أدت إلى نزاعات وحروب وانقلابات ومصادمات دامية أودت بأرواح الملايين على مدار التاريخ، ولاشك بأن الحرب تعد من أشد الكوارث السياسية التي يبدو أن البشر قد أدمنوا عليها منذ زمن بعيد ولم يعودوا قادرين على الإقلاع عنها، حتى إننا لا نكاد نعثر على فترة من تاريخ البشر خالية من الحروب أو الصراعات الدامية، فقد ظلت نار الحرب مشتعلة باستمرار هنا أو هناك، وكأنها نار مقدسة لا غنى للبشر عن لهيبها الحارق.
وتشير الإحصائيات إلى حدوث ما لا يقل عن (15.000 حرب) خلال 5500 سنة الماضية، بمعدل (2 ـ 3 حروب / سنويًا) قتل فيها أكثر من (3540 مليون إنسان) أي قرابة 80 % من عدد سكان العالم حاليًا
ويقدر خبراء الحرب أن البشرية لم تعش في المضي بوئام وسلام إلا (29 سنة فقط) وأن نصف الحروب التي شهدها العالم حدثت في أوروبا وكانت حصيلة القتلى في الحروب كما يلي