فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 405

"أنّى أصبت هذا العلم".. ؟

أجاب:

"بلسان سؤل .. وقلب عقول"..

وصفه سعد بن أبي وقاص بهذه الكلمات:

"ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا أكبر لبّا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس."

ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وحوله أهل بدر من المهاجرين والأنصار فيتحدث ابن عباس، ولا يجاوز عمر قوله""

حدّث أحد أصحابه ومعاصريه فقال:

"لقد رأيت من ابن عباس مجلسا، لو أن جميع قريش فخرت به، لكان لها به الفخر .."

رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب ..

فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءا، فتوضأ وجلس وقال: أخرج اليهم، فادع من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله .. فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوا عن شيء إلا اخبرهم وزاد ..

ثم قال لهم: أخوانكم .. فخرجوا ليفسحوا لغيرهم.

ثم قال لي: أخرج فادع من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام.

فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوا عن شيء إلا أخبرهم وزادهم ..

ثم قال: أخوانكم .. فخرجوا.

ثم قال لي: اأدع من يريد أن يسأل عن الفرائض، فآذنتهم، فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم.

ثم قال لي: أدع من يريد أن يسال عن العربية، والشعر.

فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم"!!"

مع الخوارج كان له موقفا مشهودا سجله التاريخ مبينا قوة حجته وسلامة منطقه.

سألهم ابن عباس:

"ماذا تنقمون من عليّ .. ؟"

قالوا:

"ننتقم منه ثلاثا:"

أولاهنّ: أنه حكّم الرجال في دين الله، والله يقول إن الحكم الا لله.

والثانية: أنه قاتل، ثم لم يأخذ من مقاتليه سبيا ولا غنائم، فلئن كانوا كفارا، فقد حلّت أموالهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرّمت عليه دماؤهم .. !!

والثالثة: رضي عند التحكيم أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، استجابة لأعدائه، فان لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين ..""

وأخذ ابن عباس يفنّد أهواءهم فقال:

"أما قولكم: انه حكّم الرجال في دين الله، فأيّ بأس .. ؟"

إن الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم (

فنبؤني بالله: أتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أحق وأولى، أم تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم .. ؟!

وتلعثم زعماؤهم تحت وطأة هذا المنطق الساخر والحاسم .. واستأنف حبر الأمة حديثه:

"وأما قولكم: أنه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فهل كنتم تريدون أن يأخذ عائشة زوج الرسول وأم المؤمنين سبيا، ويأخذ أسلابها غنائم .. ؟"

وهنا كست وجوههم صفرة الخجل، وأخذوا يوارون وجوههم بأيديهم.

وانتقل ابن عباس إلى الثالثة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت