"وأما قولكم: إنه رضي أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، حتى يتم التحكيم، فاسمعوا ما فعله الرسول يوم الحديبية، إذ راح يملي الكتاب الذي يقوم بينه وبين قريش، فقال للكاتب: (اكتب. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله (فقال مبعوث قريش:"
"والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك."
فاكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله""
فقال لهم الرسول:
"والله إني لرسول الله وإن كذبتم .. ثم قال لكاتب الصحيفة: أكتب ما يشاءون: اكتب:"
"هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله".. !!
واستمرّ الحوار بين ابن عباس والخوارج على هذا النسق الباهر المعجز .. وما كاد ينتهي النقاش بينهم حتى نهض منهم عشرون ألفا، معلنين اقتناعهم، ومعلنين خروجهم من خصومة الإمام عليّ .. !
ووصفه مسلم من أهل البصرة، وكان ابن عباس قد عمل واليا عليها للإمام عليّ ابن أبي طالب، فقال:
"إنه آخذ بثلاث، تارك لثلاث .."
آخذ بقلوب الرجال إذا حدّث ..
وبحسن الاستماع إذا حدّث ..
وبأيسر الأمرين إذا خولف ..
وتارك المراء .. ومصادقة اللئام .. وما يعتذر منه".. !!"
وتحدث عنه عبيد بن عتبة فقال:
"ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن عباس .. ولا رأيت أحدا، أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه .. ولا أفقه في رأي منه .. ولا أعلم بشعر ولا عربية، ولا تفسير للقرآن، ولا بحساب وفريضة منه .. ولقد كان يجلس يوما للفقه .. ويوما للتأويل .. يوما للمغازي .. ويوما للشعر .. ويوم لأيام العرب وأخبارها .. وما رأيت عالما جلس إليه إلا خضع له، ولا سائلا إلا وجد عنده علما".. !!
وأخرج الرُوياني، وابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت أن أبا أيوب أتى معاوية فشكا عليه أن عليه دينًا، فلم يرَ منه ما يحبُّ ورأى ما يكرهه. فقال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنكم سترون بعدي أثَرة)
قال:
"فأيُّ شيء قال لكم؟"
قال: (أصبروا)
قال: فاصبروا.
فقال: والله لا أسألك شيئًا أبدًا.
فقدم البصرة فنزل على ابن عباس رضي الله عنهما ففرّغ له بيته وقال:"لأصنعنّ بك كما صنعتَ برسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أهله فخرجوا، وقال:"
"لك ما في البيت كلُّه وأعطاه أربعين ألفًا. وعشرين مملوكًا."
وقال عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي شذرات الذهب في أخبار من ذهب:
"وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيًا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في عشرين كتابًا"
وفي مرض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي مات فيه، روى ابن عباس هذا الحديث الشريف ليزف البشرى لكل عبد صالح يمنحه الله الرؤيا الصادقة:
"كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستر, ورسول الله صلى الله عليه وسلم معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال:"
"اللهم بلغت"ثلاث مرات،"أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح أو"