رأوا المؤمنين حلفوا أنهم معهم ومنهم، وإذا خلوا إلى شياطينهم قال إنا معكم إنما نحن مستهزئون) [1] ، ولم يكتفِ بذلك بل فضحهم ويقرر المفاصلة بين المسلمين والمنافقين بعد تحديدها، في قوله: {وما هم منكم} .
-ويقول: (إن هؤلاء المنافقين لو رأوا حصنا يلجأون فيه، أو سراديب يختفون فيها، أو مسلكا ضيقا يسلكونه في الكهوف والجبال، لانصرفوا نحوها، وأقبلوا يسرعون كالفرس الجموح، من خوفهم ومن شدة بغضهم وتأذيهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، فهم لو قدروا على الهروب منهم ولو في شر الأمكنة وأخسها لفعلوا، فلا تغتروا يا معشر المؤمنين بأيمانهم الكاذبة) [2] .
-إن سلوك المنافقين وعلاقتهم بالمؤمنين قائم على أساس العداوة والكراهية والبغضاء والحقد والحسد، ناهيك عن دوام خوفهم واضطرابهم من المؤمنين، بسبب إحساسهم المضطرب كونهم مع المشركين وضد المسلمين باطنا، لذلك تجدهم يتمنون علو الكافرين وانهزام المسلمين.
-إنها صورة العداوة والكراهية من قبلهم ضد المسلمين، المتمثلة بتحالفاتهم الكفرية، والهروب ومفارقة بلاد المسلمين، ولو استطاعوا لرسخوا لمبدأ القطيعة مع المؤمنين.
-الصورة اليوم متكررة، حيث ترى جموع المنافقين في كل بلد ينتصر فيه المؤمنون، كيف يولون مدبرين فارين إلى حضن الكافرين لا يلوون على شيء.
-إن المنافقين يتصنعون الإيمان حال ظهور شوكة المسلمين القوية، مما يلجئهم إبراز أسلحتهم الخبيثة من إرجاف وبث للشائعات بين المؤمنين والاستهزاء منهم، التي لا تجدي في المؤمنين نفعا، مما يضطرهم إلى الخوف الدائم من قوة المسلمين المتزايدة، فيجمحون إلى الهرب هروب الدواب المضطربة من شدة الخوف، يقول محمد رشيد رضا: (وهذا الوصف من أبلغ مبالغة القرآن في تصوير الحقائق التي لا تتجلَّى للفهم والعبرة بدونها، فتصورهم وهم يلهثون كتسابق الكلاب إلى مخابئها) [3] .
-ويقول الطبري: (وإنما وصفهم الله بهذه الصفة، لأنهم إنما أقاموا بين أظهر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كفرهم ونفاقهم، ولأنهم ما قدروا مفارقة قومهم وعشيرتهم ودورهم وأموالهم، فأظهروا الإيمان بالله وبرسوله، وتصنَّعوه، ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالكفر، الذي أخفوه في أنفسهم وما فيها من بغض وعداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل الإيمان به) [4] .
-يتبين من ذلك بعض صفات المنافقين التي لا تنفك عنهم: كالكذب والغدر والخيانة، والكراهية والحقد والحسد، والتردد والتذبذب والاضطراب.
(1) قبس من نور القرآن الكريم، علي الصابوني: ج/2، ص/46 - 47.
(2) المصدر السابق: ج/2، ص/47.
(3) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: ج/10، ص/486 بتصرف.
(4) جامع البيان للطبري: ج/6، ص/108 باختصار.