فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 330

عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال:"إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال:"اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم" [1] ."

-قصة حاطب - رضي الله عنه - متقدمة على آية البراءة فما الذي جعل عمر - رضي الله عنه - يسمِّه بالمنافق ويستوجب قتله؟ إنها العقيدة التي تربى عليها الصحابة - رضي الله عنهم - فهما وسلوكا قبل نزول الآية، إنها عقيدة الولاء والبراء، الموالاة لله ولرسوله وللمؤمنين والبراءة من كل ما هو شرك ومشرك، كيف لا؟ وهم الذين عاشوا قصة سعد بن أبي وقاص وأمه واقعا، ورأوا أبا عبيدة عامر بن الجراح يقتل والده، وكيف كان أبو بكر يبحث عن ابنه ليقتله؟ إنها الممارسات العملية لعقيدة الولاء والبراء قبل نزول آية البراءة.

لقد جاءت آية التوبة هنا لترسم معالم جديدة في العلاقات الإسلامية وتحدد نوعية العلاقة حتى مع الوالدين، وتُرَسِّخَ لأمورٍ عقديةٍ في نفوس المسلمين، منها:

-يبقى المؤمن مؤمنا عندما يقطع كل ولاية وأية علاقة مع أعداء الله تعالى، ولو كانوا أولي قربى، لإزالة أية شبهة في التحرج في قطع العلاقات معهم، وإن كانوا آباءً أو إخوة [2] .

-إذا كان مولاة الآباء والأخوة فيه تبع لهم ولكفرهم، فكيف بمن يوالي اليهود والنصارى.

-إن القرابة الحقيقية هي قرابة الدين والعقيدة، وليست قرابة الأبدان [3] .

-لم يذكر الأبناء في الولاية لأنهم في الغالب تبع الآباء، والهبة والإحسان مستثناه من الولاية [4] .

-إن قطع الولاية للوالدين المشركين والبراءة منهما لا يعني عدم صلتهما وبرِّهما، فعن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنه -، قالت: قدمت عليَّ أمِّي وهي مشركة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال:"نعم صلي أمَّكِ" [5] .

-إن المفردات القرآنية تبين بعضا من المعاني والمقاصد القرآنية، فاستخدام كلمة استحبوا، تبين أمرا غاية في الخطورة، هو أن الكفار يطلبون الكفر محبة فيه، ومحبتهم هذه تستوجب قتال خصومهم من المؤمنين، فكيف لمؤمن أن يوالي أمثال هؤلاء بنوعيتهم الحاقدة [6] ، وما أكثر أمثالهم اليوم، وكيف يتربصون بالمؤمنين الدوائر، وألسنتهم حداد عليهم.

-ومن يتولَّى أعداء الله تعالى ولا يبرأ منهم، فإنه يكون قد ظلم نفسه وجماعة المؤمنين، بوضعه الولاية موضع البراءة، والمودة محل العداوة، فحملته نعرة الجاهلية والعصبية القبلية على ولاية

(1) صحيح البخاري: ك/الجهاد والسير، ب/الجاسوس وقول الله تعالى: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم} الممتحنة، ج/2، ص/604، ح/3007.

(2) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/18، بتصرف

(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/5، ص/108، بتصرف.

(4) المصدر السابق: ج/5، ص/109، بتصرف.

(5) صحيح البخاري: ك/ الهبة، ب/الهدنة للمشركين، ج/2، ص/518، ح/2620.

(6) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/18، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت