وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة:3) .
وآَذَانٌ [1] ، كما جاءت براءةٌ منونة للتفخيم، فالبراءة بسبب قطع المشرك سبب علاقته بربه [2] ، فبراءة الله بمثابة فصل واقعي وتام بين أهل الشرك وشركهم وأهل الإيمان وإيمانهم، يقول سيد قطب (إن مقدمة السورة نزلت متأخرة عن بقيتها، وإن كان جاء ترتيبها في مقدمتها، وهو يتضمن إنهاء كل العقود القائمة بين المسلمين والمشركين، سواء منها المقيدة، والمطلقة، والناكثين لها، ولم ينقصوا المسلمين شيئا، أو ظاهروا أحدا عليهم، بل وإنها مبدأ التعاقد معهم، بل واستنكار أن يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله) [3] .
فالصورة بكل مكوناتها: المجاهدون في ساحة الوغى لصد العدوان، ومَنْ خلفهم من الذراري والدور والغلمان، والمتخلفون الذين يرجفون في المدينة يبثون السموم، وأهل الغدر يأتمرون للانقضاض، يقول سيد قطب:(إنه لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرجف المنافقون، وأخذ المشركون ينقضون عهودهم، فأنزل الله الآيات بالنسبة لهؤلاء، مع إمهالهم أربعة أشهر [4] .
ولمَّا كانت هذه هي الأسباب القريبة والمباشرة، كان لا بد من اتخاذ الخطوة الأخيرة والحاسمة، بسبب تعارض المنهجين، وعدم إمكان التعايش بينهما، إلَّا فترات اضطرارية تنتهي حتما [5] ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعثني أبا بكر - رضي الله عنه - في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُرْيَان. قال حميد: ثم أردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة - رضي الله عنه - فأذَّنَ معنا عليٌّ يوم النحر ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُرْيَان) [6] . وهذا هو إعلان المفاصلة، لنرى من هذه الصورة إشراقة دين الإسلام على الأمم بالسلم والأمان، من خلال إبعاد شبح الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق، لقد ظهرت الصورة واضحة جلية عند انحسار الظلم وأهله من كل بلد يخرجون منه أو يزويهم نور الحق، بفضل الله تعالى.
لقد جاءت هذه البراءة لتحدد معالم طريق الأمة، وترسم واقعا جديدا بتشريع حتمي، يقول سيد قطب: (نشر منهج الله في الأرض بإزالة كافة الحواجز المادية التي تحول دون ذلك، من إضعاف المشركين وكف أذاهم، وليصبح هذا قوة مهاب الجانب، خطوة خطوة، لأن عموم المشركين يسوؤهم انتشار الإسلام، ويغيظهم بنيان الحق وكثرة سواده، قال الله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ
(1) أذن: عَلِمَ، المختار الصحاح للرازي: ص/5، وآذنني: أعلمني، وفعله بإذني، أي بعلمي، انظر ك/العين للفراهيدي: ج/1، ص/62,
(2) فتح البيان في مقاصد القرآن لأبي الطيب صديق بن حسن بن علي بن الحسين الفتوحي: المكتبة العصرية/ بيروت، ط/1989 م.
(3) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1586، بتصرف.
(4) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1587 بتصرف. .
(5) معالم التنزيل للبغوي: ج/2، ص/226.
(6) صحيح البخاري: ك/التفسير، ب/سورة التوبة، ب/ {وأذان من الله ورسوله} ج/3، ص/932 - 933، ح/4656.