اغتروا بالمشركين وما كانوا عليه من رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون، فقالوا: إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير وأنواع المكاسب، ونحن في الجَهْدِ، وكذلك ضربهم في الأرض وتصرفهم في البلاد للتجارة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ... } ، كما أن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد جميع المؤمنين [1] ، إن هذا الاغترار ناتج عن هزيمة نفسية بفعل الغزو الفكري، والتقليد الأعمى، بما هم عليه من ضلالات وكفر إما عن رضا أو دون تفكير بذلك [2] ، ولذلك حذرنا - صلى الله عليه وسلم - من هذا إتباع اليهود والنصارى، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا ذراعا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموه". قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال:"فمن؟" [3] .
5/ طاعتهم فيما يأمرون وإقامة تحالفات سياسية أو عسكرية وثقافية، لما لهذه الطاعات وهذه التحالفات من معارضة واضحة لمبدأ العبودية لله التي أمرنا الله أن نتعبده بها، إضافة إلى انتفاء وتغييب الشخصية الإسلامية السيادية على النفس والأرض المسلمة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران:100 - 101) ، يقول الألوسي [4] رحمه الله تعالى: (إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب خوفا من إنكارهم ما أنتم عليه من الحقيقة والطريق الموصل إليه سبحانه، يردوكم بعد إيمانكم الراسخ فيكم كافرين لأن إنكار الحقيقة كفر كإنكار الشريعة) [5] .
ويقول الشاطبي [6] : (فإذا ترك الجاهل استصلاح نفسه في غير شرع الله، فكيف له بالعصمة، وقد خلا منها إلى تدبير نفسه بغيره، فهو حقيق في البعد عن رحمة الله .. وبالتالي فإن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله، وأن ما سوى ذلك تفرقة) [7] .
وهنا تظهر خطورة تولي غير الله ورسوله والمؤمنين، لما يترتب على ذلك امتثال لأوامر الكافرين، وبالتالي الرضا بكفرهم، يقول الطاهر ابن عاشور: (الخطاب للمؤمنين لتحذيرهم من كيد أهل الكتاب وسوء عدائهم للمؤمنين) [8] ,
ويقول الله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} (الأنعام:121) ، يقول القرطبي: (إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد) [9] ، ويقول ابن كثير: (أي عدلتم عن أمر
(1) معالم التنزيل للبغوي: ج/1، ص/154 اختصار وتصرف.
(2) شرح أصول العقيدة الإسلامية د. نسيم ياسين: ص/290 بتصرف.
(3) صحيح البخاري: ك/ الاعتصام، ب/قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لتتبعن سنن من كان قبلكم، ج/4، ص/1447، ح/7320.
(4) هو محمد بن عبد الله الشهاب أبو الثناء الحسني الحسيني البغدادي، ولد ببغداد 1806 م له الكثير من المؤلفات أهمها تفسير القرآن المسمى روح المعاني، توفي 1859 م انظر أعلام الإسلام لأنور الجندي، ص/128.
(5) روح المعاني للألوسي: ج/4، ص/32.
(6) إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي العلامة المحقق الحافظ الفقيه له الكثير من المؤلفات توفي 790 هـ، انظر مقدمة ك/ الاعتصام
(7) الاعتصام للشاطبي: ج/1، ص/113، بتصرف واختصار، دار المعرفة للطباعة والنشر/بيروت، تعريف محمد رشيد رضا،
(8) التحرير والتنوير لابن عاشور: ج/1، ص/794.
(9) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: نقلا عن ابن العربي ج 4، ص/356