يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (التوبة:61) ، بسبب استكبارهم واستعلائهم، يقول الرازي: ثم ذكر ما يدل على فساد طعنهم، وهو قوله: {يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ} والمعنى أن من كان موصوفا بهذه الصفات: فكيف يجوز الطعن فيه، وكيف يجوز وصفه بكونه سليم القلب سريع الاغترار؟ [1]
-الاستهزاء بالمؤمنين: يعني الاستهزاء بالله ورسوله وآياته، فجرأتهم على الله وآياته ورسوله من جرأتهم بالسخرية والاستهزاء بالمؤمنين، قال الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ} (التوبة:65) . سبب نزول هذه الآية، أن رجلا قال في غزوة تبوك: (ما رأينا مثل قرآن هؤلاء، ولا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء منهم، فقال له رجل: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك - صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن، قال ابن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} [2] .
-الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف: من أكثر صفاتهم تأثيرا في المجتمع للإفساد والفساد، إضافة إلى تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى، وقبض الأيدي شحا وبخلا في الإنفاق والعمل الصالح، قال الله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (التوبة:67) ، (فأعظم منكرهم تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأعظم المعروف الذي ينهون عنه الإيمان بالله تعالى) [3] .
-التشبه بالظالمين والمجرمين: قال الله تعالى: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (التوبة:69) ، يقول الرازي: (اعلم أنه تعالى لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم، بَيَّنَ أن أولئك الكفار المتقدمين منهم) [4] .
-الظلم وحبهم لظلم أنفسهم: لأن صفة الظلم مستأصلة بسبب كفرهم ونفاقهم، وفسادهم وإفسادهم، أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ
(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/117.
(2) لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي: ص/144.
(3) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/126.
(4) المصدر السابق: ص/129.