2 -بَرَاءَة: [1] هي العنوان السياسي للسورة، سميت بهذا الاسم العظيم، لأن الله جل في علاه بدأ السورة بإعلان سياسي شديد اللهجة، أمر فيه بقطع العلاقات مع المشركين، ليضفي مهابة على افتتاحية السورة، فقال جل في علاه: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} (التوبة:1) . فشدة القسوة من شدة العبارة واللهجة، ليستشعر المخاطب بخطورة الإعلان، فالله تعالى لم يبدأ بنفسه، وهو المتبرئ، بل قدم الفعل، ليستبعد السامع أي نوع من الرأفة والرحمة، ولِتظْهِرَ قسوة البراءة منهم، إنها سُنَّةُ ربانية، مهمٌ جدًا إتباعها، كيف لا؟ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول الخلق امتثالا لأمر ربه، فقد ثنَّى الله به، لتعطي كل مسلم درسا عظيما في الولاء لله ورسوله والمؤمنين، وبراءة من المشركين والمنافقين.
3 -العَذَاب [2] : فعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: (التي يسمُّون سورة التوبة هي سورة العذاب) [3] . فالمتتبع للسورة يجد أنها تحمل في طيَّاتها العذاب الشديد على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين، فإعلان البراءة من أول السورة يبين شدة العذاب المنتظر والواقع بالمشركين، ولو خطونا خطوات قليلة لقرأنا قول الله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ .. } (التوبة:14) ، كما كانت عذابا على أهل الكتاب والمنافقين، فقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ .. } (التوبة:29) . وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التوبة:73) . وقوله تعالى في آخر السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:123) .
فالقتال والجهاد وما يترتب عليهما من: قتل وجراح وسبي وتشريد، عذاب بحد ذاته في جميع أنواع الحروب، وخاصة على الكافرين عندما يشرد الله بهم في الدنيا من خلفهم، فما بالك بعذاب الله المنتظر يوم القيامة لهم. كما أن الأمر بالقتال والجهاد مأمور به المسلمون في أول السورة ووسطها وآخرها وبالتالي إيقاع العذاب عليهم دائم ومستمر بفضل الله تعالى إلى قيام الساعة.
4 -الفَاضِحَة: [4] عن سعيد بن جبير [5] قال: قلت لابن عباس - رضي الله عنه: سورة التوبة؟ قال: التوبة؟ قال: (بل الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظنُّوا أن لا يبقى منا أحد إلا ذكر فيها) [6] ، فكادت السورة أن تسمي الذين يستأذنون النبي في الجهاد بأسمائهم، قال الله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}
(1) البرء: السلامة من السقم، وبرأ يبرأ: والبراءة من الغيب والمكروه: العين: ج/1 ص/ 124.برئ إذا تخلَّص، وبرئ إذا تنزه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر: لسان العرب ج /1 ص/38 - 39، دار الكتب العلمية/ بيروت، ط/1/ 2003،.
(2) العذاب لغة النكال انظر: القاموس المحيط للفيروز أبادي ج/1 ص/136 دار الكتب العلمية /بيروت ط/1999 م
(3) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ص/178، دار الحديث/ القاهرة، ط جديدة/2004 م
(4) فضح: كشف: مختار الصحاح لمحمد بن ابي بكر الرازي:، ص/212. مكتبة لبنان بيروت، ط/ 1986 م.
(5) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم روى عن كثير من الصحابة إمام ثقة حجة قتل سنة 95 هـ، تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/2، ص/292.
(6) صحيح مسلم: ك/ التفسير ب/في سورة براءة، ج/4 ص/2322، ح/3031، إحياء التراث العربي/ بيروت، ط/2/ 1972 م.