فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 330

إن عقد البيع هذا والوعد الرباني المكتوب على صفحات الكتب السماوية قد تمت صفقته بين الله عزَّ وجل وهو المشتري، وبين البائعُ نَفْسَهُ المؤمنة ومالَه الزكي يتلفهما بالجهاد في سبيل الله بكل الوسائل المشروعة والقتالية؛ مقابل الجنة ونعيمها، بشهادة أمين السماء ورسل الأرض عليهم الصلاة والسلام، ولأن البيع لا يتم إلا بوجود السلعة والإيجاب والقبول بين البائع والمشتري، والله لا يشترى إلا ممن باع، فقد تمت البيعة، وبُشِّرَ البائعون بالرضا نفوسَهم وأموالهم بالفوز العظيم، وبما أن بعض البائعين قد يؤخرون تسليم وديعتهم، حثهم على سرعة التسليم في ملحق العقد، بالصفات التي لو اتصفوا بها أسرعوا في التنفيذ، ليبشرهم ثانية بقوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين} ، مما يدلل على عظيم كرم الله تعالى الذي اشترى قبل أن يبيع المجاهدون نفوسا كريمة وعزيزة على الله تعالى لذا غلا ثَمَنُها، للأسباب التالية:

-أنه جل في علاه هو الذي خلقها، ونفخ فيها من روحه، فقال تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} (السجدة:9) .

-أن الله أقسم بالنفس، وأنه تعالى لا يقسم إلا بعظيم فقال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} (الشمس:7) .

-لقد وردت لفظة"نفس"في القرآن الكريم مائتين وخمسة وتسعين مرة [1] ، فما كانت لتتكرر إلا لتبين أصل الخير المأمورة به، فامتثلت أمر ربها فيه فعظمت، والشر الذي نهيت عنه، فانقادت لهواها وشرورها فجمحت، وجحدت أمر ربها فذلت وهانت.

-ثمنها وغلاها من بيان عظمة حرمتها، قال الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ... } (المائدة:32) ، وشدد وغلَّظَ في عقوبة قتل النفس المؤمنة، فقال: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء:93) .

-عظمتها من عظمة صفقتها، فلو لم تكن غالية ما تمَّ شراؤها من قبل الله تعالى.

-إن نفسا ثمنها الجنة غالية، ومن استرخصها للشيطان والهوى، أذلها وأفقدها قيمتها.

-وهب الله عبيده أنفسهم، عندما خلقهم من العدم، وأسبغ عليهم النعم، يُمًلِّكَهُمْ أَنْفُسَهُمْ وهم الفقراء إليه، والعبيد في ملكوته دون انقطاع، ثم يشتري تفضلا ما وهب، بأعظم ما يكون الثمن، فإن وفَّى العبد عقد ربه، بسرعة التنفيذ، وصدق بيعته، ببذل نفسه وماله حبا لجلاله، فاز بوفاء ربه وثمن بيعته جنة الله ورضوانه، (فجعل الجنة ثمنا لما بذلوا من أنفسهم وأموالهم، وفي ذلك إعظام للثمن ومنه يعلم حال المُثَمَّن، وصدق القائل:(ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها) [2] .

(1) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي: ص/710 - 714.

(2) روح المعاني، لشهاب الدين الألوسي: ص/29 - 30 بتصرف. دار الفكر/ بيروت، ط/جديدة/1978 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت