فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 330

المعتقد ليس منا ولسنا منه، قال الله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} (التوبة:56) ، كثيرون الذين يدَّعون الإسلام ممن يوالون أعداء الله تعالى، من اليهود والنصارى ويدافعون عنهم، ويحلفون أنهم مسلمون، ويسوغون لأنفسهم الولاء لحلفائهم ويتبرؤون من المجاهدين، ويقولون إن واقع الحياة يتطلب تعاونا وتنسيقا مع غير المسلمين، ويتطلب محاربة المسلمين لأنهم خارجون على ما يزعمون قيم التحضر وشرعية ابتدعوها، متجاهلين في ذلك شريعة الإسلام وقيمه العظيمة، يقول الطبري [1] : (ويحلفون بالله لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون كذبا وباطلا إنهم لمنكم في الدين والملة، {وَمَا هُم مِّنكُمْ} ، أي ليسوا من أهل دينكم وملتكم، بل هم أهل شك ونفاق) [2] .

سابعا: هلاك الظالمين من سنن الله الدائمة التي لا تتبدل ولا تتحول، فمن فضل الله تعالى أن ينصر المؤمنين إن أخذوا بأسباب النصر، ويهلك المجرمين ويجعلهم عبرة، إن تعاطوا مع أسباب الإجرام والضلال واتخذوها سُنَّةً، لا يردعهم خُلُقٌ أو دين، فالله تعالى يُذَكِّرُ أهل الظلم والكفر بنبأ مَنْ قَبْلَهُم مِنْ أَمْثَالِهِم وما حدث لهم من سُنَّةِ الإهلاك، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (التوبة:70) ، يخاطب الله تعالى المنافقين بصيغة الغائب تبكيتا لهم وتحقيرا، يقول محمد رضا: (والمراد من ضرب هذا المثل للكافرين برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - من المجاهرين والمنافقين، أن سُنَّةَ الله في عباده واحدة، لا ظلم فيها ولا محاباة، فلا بد أن يحل بهم من العذاب ما حل بأمثالهم من أقوام الرسل إن لم يتوبوا) [3] . فلذلك شبه تعالى المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيبهم الرسل والأنبياء، واشتغالهم بالنعيم الزائل [4] ، فمن مقاصد هذه الآية العظيمة أن الله تعالى يبين أن من عدله؛ جَرَيَانُ سنته على من ظلموا أنفسهم، وإهلاكهم بأليم عقابه في الدنيا قبل الآخرة، وإن المنافقين جمعوا خصال الشر كلها، عندما شبههم بمعظم الأقوام السابقين الكافرين، قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وأصحاب مدين، والمؤتفكات.

ثامنا: عدم وجوب الاستغفار للمنافقين معلومي النفاق وعموم المشركين: قال الله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:80) ، يقول الرازي: (المقصود من هذا الكلام أن القوم لما طلبوا منه أن يستغفر لهم منعه الله منه، وليس المقصود من ذكر العدد

(1) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الآمليّ الطبريّ أبو جعفر شيخ المفسرين، صاحب التصانيف المشهورة، ولد بآمل 224 هـ وتوفي ببغداد 311 هـ. انظر: طبقات المفسرين للداوودي: ج/2، ص/ 110 - 118.

(2) جامع البيان للطبري، ج/ 6 ص/ 107، ط/4، 1980 م، دار المعرفة - بيروت.

(3) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا:، ج/10، ص/540.

(4) قبس من نور القرآن الكريم، للصابوني: ج/2، ص/ 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت