فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 330

وبأموالهم، فالإعجاب بهم وإظهار الثناء عليهم والإشادة بهم، دون النظر إلى عقائدهم الباطلة، من أكثر مظاهر الولاء لهم، لذلك نهى الله تعالى عن الإعجاب بهم، فقال: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ} (التوبة:85) ، يقول البقاعي: وفي ذلك تدريب لهم على الحب في الله والبغض فيه، لأن هذا المقصد العظيم من أدق أبواب الدين فَهْمًا وأجلها قدرا، وعليه تبتنى غالب أبوابه، ومنه تجتنى أكثر ثمراته وآدابه [1] .

عاشرا: حرمة مساجد الضرار [2] وإقامة الصلاة فيها: في الوقت الذي بدأت الوثنية تلفظ أنفاسها الأخيرة، علق المنافقون آمالهم على قرب غزو الروم للمدينة فبدءوا ببث الأراجيف والأكاذيب والشائعات في المدينة استعداد لقدوم الروم، وتحقيق حلمهم بالقضاء على المسلمين، فخافوا أن ينكشف أمرهم، فابتدعوا مسجد الضرار حتى يكون مركز إعلامهم وبث سمومهم وافتراءاتهم ضد المسلمين، ليكون الكفر رايتهم، والتفريق بين المؤمنين غايتهم، ويترقبون الكافرين لهزيمة المسلمين لنفاقهم انتصارًا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (التوبة:107) ، فكل من يتخذ مسجدا أو بناءً أو مكانا عاما أو خاصا إضرارا بالمسلمين وطعنا في جهادهم ودينهم وبث سموم الفرقة بين المؤمنين، يترقبون من يحارب الله ورسوله لهزيمة المسلمين فإنه مثلهم، يقول الرازي: (اتخذوه للضرار والكفر فيه، يطعنون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويفرقون بواسطته جماعة المؤمنين) [3] . وذلك أن المنافقين قالوا: نبني مسجدا فنصلي فيه، ولا نصلي خلف محمد، فإن أتانا فيه صلينا معه، وفرقنا بينه وبين الذين يصلون في مسجده، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، منتظرين عدو الله أبا عامر الفاسق أن يأتي بجند الروم لمحاربة محمد - صلى الله عليه وسلم - وإخراجِهِ هو وأَصْحَابه، وهم كذلك حتى قبل بناء مسجد الضرار، وليحلفن إن أردنا إلا الفعل الحسن من توسعةٍ على المسلمين ورفقٍ بالضعفاء منهم وذي الحاجة، وإنهم لكاذبون بشهادة الله تعالى.

من أجل هذا أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ألا يصلي فيه، وكذلك المؤمنين، ولذلك عَجَّلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجرد عودته من غزوة تبوك بهدمه، وهذا حكم قائم على كل بنيان أو عملٍ، هدفه الكفر والطعن بالمؤمنين وإن سمِّيَ هذا البناء مسجدا، أو كان هذا العمل عبادة، وعُلِمَ أن تأسيس هذا البناء وهذا العمل كان مقصده التفريق بين المؤمنين، ينتظرون كبيرَهم المتحالفَ مع أعداء الله لقتل المسلمين وإخراجهم، فلا بد من هدم هذا البناء وإبطال أي عمل يسعى لذلك، فمن أعظم مقاصد بناء المساجد العبادة، قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجنّ:18) .

(1) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 371 بتصرف.

(2) ضد النفع، والقحط والشدة والضيق، انظر القاموس المحيط للفيروز أبادي: ج/2، ص/147.

(3) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/ 193 - 194، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت