فبحسن طاعة الله وامتثال أمره واجتناب نواهيه، وإتباع منهج رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفق سنته وهداه، تتأسس وحدة الجماعة المسلمة، وتتقوى رابطتهم.
الحادي عشر: عِظَمُ ذنبِ المؤثرين أنفسهم عن الجهاد والغزو: لقد شنَّع الله على المنافقين تخلفهم ورغبتهم بالقعود عن الجهاد، فقال: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (التوبة:120) . لذا جاء النهي عن التخلف عن الغزو بأبلغ صور التوبيخ، يقول البقاعي: {ما كان} ما صح وما ينبغي بوجه من الوجوه ... فهو نهي بليغ مع تقبيح وتوبيخ وإلهاب وتهييج، ولما علل الأمر بالتقوى، علل النهي عن التخلف بما يدلل على صدق الإيمان، فيصير دالا على نقيضه فقال: {ذلك} أي النهي العظيم عن التخلف في هذا الأسلوب النافي للكون [1] .
لذلك كان التخلف عن الغزو والتولِّي يوم الزحف من أعظم الذنوب ومن أكبر الكبائر، ولننظر إلى عقاب الثلاثة الصادقين الذين خُلِّفُوا في الدنيا، فكيف بمن كَذَبُوا وسَوَّغُوا الحجج والأعذار، أين سيذهبون من عذاب الله يوم القيامة؟
ولئلا يُطْبَع على قلب المؤمن بالنفاق، حذر تعالى من ذلك بقوله {مَا كَانَ} ، فليس من صفات المؤمن مطلقا التخلف عن الجهاد، قال الله تعالى: {رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} (التوبة:87) ، وقال: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (التوبة:93) . يتبين من خلال الآيتين خطورة التخلف عن الجهاد:
-لا يجوز للقادر المستطيع أن يتخلف عن الجهاد، بحال من الأحوال.
-إذا كانت النفس في سبيل الله تبذل رخيصة، فما دونها أحقر من أن يبخل المرء بها.
-ذكر تعالى أن أول ما يصيب المجاهد الظمأ، ثم النصب الناتج عن العطش، ومن ثمَّ الجوع الناتج عن الأمرين، لذلك وجد مع المحاربين في معظم الجيوش"المِشْرَبة" [2] .
-بين الله أن أنواع المشقة الحاصلة في الجهاد والموجبة للأجر، خمسة: قال الرازي: ظمأ وإعياء وتعب وجوع شديد، وموطئ قدمٍ يغيظ الكفار، ونيلا ينالون من عدوهم، إلا كتب الله لهم به عمل صالح، فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم المعصية.
-طاعة الله تحتاج إلى حركة دائمة وجهد متواصل ينتج عنهما عطش وإرهاق وجوع وإرهاب العدو للنيل منه [3] .
(1) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/400 - 401. بتصرف
(2) بكسر الميم إناء يشرب فيه. انظر: المختار الصحاح للرازي: ص/140. (أو ما يسمَّى بالمَطَّارة.)
(3) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/ 224، بتصرف.