الطهارة من علامات الإيمان ودلائله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:28) :
هل المقصود بالنجاسة [1] المعنوية، أم الحسية الملموسة، أم الاثنتين معا؟ ولماذا لا يقرب المشركون المسجد الحرام فقط؟ وهل لهم أن يدخلوا بقية المساجد؟
وقبل الإجابة عن هذه التساؤلات نتعرف على النجس، يقول الشوكاني: النجس مصدر لا يثنى، لا تستعمل إلا إذا قيل معه رجس [2] ، (المشركون نجس مبتدأ وخبر، أي ذوو نجس؛ لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، أو لأنهم لا يتطهرون، ولا يجتنبون النجاسات، فلا تنفك عنهم، أو جُعِلُوا كأنهم النجاسة عينها مبالغة في وصفهم بها، والنجس مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع، أو هو مجاز عن خبث الباطن وفساد العقيدة) [3] .
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن المسلم لا ينجس) [4] ، لندرك حقيقة نجس المشركين.
بعض الهدايات القرآنية في هذه الآية التي تجيب عن التساؤلات السابقة:
-بشارة من الله للمسلمين بأنه سيمكن لهم بيته الحرام، وسيمنع المشركين الاقتراب منه.
-يبين الله أن أهل الطهارة والنقاء هم الذين توفرت فيهم شروط الاستخلاف في الأرض.
-أن المشرك نجس بكفره وفعله وتصرفاته، يقول رشيد رضا في هذا: (ليس المشركون إلا أنجاسا فاسدي الاعتقاد، يشركون بالله، ويعبدون الرجس من الأوثان ويدينون بالخرافات، ولا يتنزهون عن النجاسات، ويأكلون الميتة والدم، ويستحلون القمار والزنا، ويستبيحون الأشهر الحرم، فتمكنت صفات النجس منهم حسًا ومعنىً، فباتوا عينه وحقيقته) [5] .
-إن نجاستهم حسية؛ وناتجة عن عدم تتبعهم للطهارة والغسل الذي أكرمنا الله به.
-من خلال تتبعي لمفردة:"القرب"في كتاب الله، وجدت أن النهي عن"القرب"جاء بصيغة الجمع والمخاطب فيها عموم المسلمين، وفي موضعين ينهي الله آدم وزوجه أن يقتربا من الشجرة. وفي لفظة ولا"تقربون"المخاطب بها أخوة يوسف [6] .
-إن اجتناب النهي؛ امتثال لأمر الله ونهيٌ عن أمورٍ جسام، إلا أن نهي آدم عن اقتراب الشجرة وزوجه والأكل منها، جاء لحكمة بالغة متعلقة بخلافة الأرض، تقول أن وجود آدم في الجنة مؤقت لأن المخلد فيها لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى [7] . وفي سورة النساء
(1) النجس ضد الطاهر، وهو القذر، القاموس المحيط للفيروز أبادي: ج/2، ص/393.
(2) فتح القدير للشوكاني: ج/1، ص/719.
(3) إعراب القرآن الكريم وبيانه، لمحيي الدين الدرويش: ج/3، ص/204 - 205، دار ابن كثير للطباعة والنشر/ بيروت، ط/8/ 2001 م،.
(4) صحيح البخاري: ك/ الغسل، ب/عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس، ج/1، ص/62، ح/283.
(5) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: ج/10، ص/275.
(6) المعجم المفهرس لمحمد فؤاد عبد الباقي: ص/ 540.
(7) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/1، ص/237 - 238، باختصار.