وعن أبي بكرة [1] - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان) [2] .
لقد وضع إن الزمن وضعه الله تعالى وفق نظام دقيق تعتمد عليه جميع العبادات من خلال اعتمادها على أزمنة ومواقيت معينة، وفق دورتي الشمس والقمر، وبالتالي لا يمكن تأخير عبادة أو تقديمها، فكيف بالتلاعب بتغيير دورة الزمن وفق أهواء المتلاعبين ومصالحهم. كما لم يكتفِ الوثنيون بإفساد الأماكن المقدسة بشركهم وخرافاتهم الجاهلية، بل أرادوا إفساد دورة الزمن والتاريخ وحساب الأيام والشهور، بتأخير أو تقديم، معتقدين سلامة فعلهم.
إنها الصورة النمطية والجاهلية المتكررة، والتي تحاول بكل السبل تغيير الحقائق والمسمَّيات لجعل المجرمين والمحتلين أبرياء، في محاولة وضيعة لإضفاء صبغة الشرعية عليهم، في عملية إسقاط لندرك حقيقة تأخير العرب للشهور.
الآية التي سبقت آية النسيء؛ تتحدث على أن عدد الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، وأن منها أربعةٌ حُرُم، وأن هذا التقسيم بأمر الله الحق.
يقول البقاعي في عدد الشهور: (أي لا زيادة عليها ولا تغيير لها كما تفعلونه في النسيء .. وليست الشهور ثلاثة عشر ولا أكثر كما كان يفعل من أمرتكم بالبراءة منهم كائنين من كانوا في النسيء) [3] ، وقال: (ولمّا كان إنساؤهم إنما لتحل لهم المقاتلة على زعمهم قال: {وقاتلوا المشركين كافة} أي كلكم في ذلك سواء، في الائتلاف واجتماع الكلمة، {كما يقاتلونكم كافة} ، أي كلهم في ذلك سواء وذلك الحكم في جميع السنة، لا أنهاكم عن قتالهم في شهر منها، فأنتم لا تحتاجون إلى تغيير حكمي فيها لقتال ولا غيره إن لقيتم الله، فلا تخافوهم وإن زادت جموعهم وتضاعفت قواهم لأن الله الذي له جميع العظمة معكم {مع المتقين} أي جميعهم، الذين يثبتون تقواهم على ما شرعه لهم، لا على النسيء ونحوه، ومن كان الله معه نصره لا محالة) [4] .
بالتالي هذا الاطمئنان الذي يبثه الله تعالى في قلوب عباده يجعلهم أسرع لامتثال أمر الله تعالى، فلا ظلم في هذه الأشهر لأحد باستحلال حرام، بل واجبٌ تعظيمها أمرٌ تعبدي، فلا يجوز التغيير بتقديم أو تأخير أو بأي طريقة تحرف مسار العبادة عن طريقها.
وحتى تطمئن القلوب أكثر، فهي ترى التشابه الكبير بين الوثنيين وأهل الكتاب من خلال الآيات السابقة التي تتحدث عن محاولاتهم جاهدين بكل ما أوتوا من قوة أن يطفئوا نور الله
(1) هو نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي من خيار الصحابة، مات بالبصرة 50 هـ وقيل 51 وقيل 52 هـ، انظر تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/5، ص/642.
(2) صحيح مسلم: ك/القسامة، ب/تغليظ تحريم الدماء و .. ج/3، ص/1305، ح/1679.
(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/307.
(4) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/308.