فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 150

إعجاب؛ لفتْكه الشديد بالمشركين، لكن قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أمَا إنه من أهل النار ) )، ثم تبيَّن أنه جُرِح جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، وقتل نفسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: (( إن الرجل ليعمل عملَ أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عملَ أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة ) ).

وهذا شاهد قد يفيد الفقهاء فيما يَعرِض لهم من أسئلة حول المريض الذي أُيس من شفائه، حيث أورد لفظ البخاري، من قوله - صلى الله عليه وسلم: (( كان فيمن قبلكم رجل به جُرْح، فجزع، فأخذ سكينًا، فحزَّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله - عز وجل: بادرني عبدي بنفسه، حرَّمتُ عليه الجنة ) ).

قال المؤلف:"صريح ما تقدَّم من الأحاديث يقتضي أن الانتحار كبيرة، بل من أكبر الكبائر؛ لأن ما اشتملت عليه تلك الأحاديث من الوعيد، مثل التخليد في النار، وتحريم الجنة، ما ورد إلا في معاصٍ قليلة، عدَّها العلماء بسببه من أكبر الكبائر، فعدُّها هذا منها واضح، واقتصر جماعة من العلماء على عدِّه كبيرة كبيرة ... والمعنى في ذلك ما ذكره التقيُّ ابن العيد أن نفْس الإنسان ليست مِلْكًا له؛ وإنما هي مِلْك لله تعالى؛ فلا يتصرَّف فيها إلا بما أذِن الله، ا. هـ، ولِما فيه أيضًا من الجزع والتسخط لقضاء الله، واليأس من رَوحه ورحمته؛ لأن الشخص لا يُقدِم على قتْل نفسه إلا إذا نزلت به مصيبة، فيطيش لها عقله، وينسى أن ما نزل به أمر قدَّره الله وقضاه، وأنه إن صبر فرَّج الله عنه، كما جاء بذلك القرآن والحديث، فتُظلِم عليه الدنيا حينئذٍ، ويستولي عليه الجَزعُ واليأس، فلا يجد عند ذلك مخلِّصًا إلا قتْل نفسه، يرى بذلك أنه أراحها، ولا يدري أنه بفعله قدَّمها لعذاب دائم مستمر لا يَفتُر عنه طرفة عين، إلا أن يتداركه الله بلطفه ورحمته".

ثم يُورِد إشكالًا، وهو مَن استحق عقوبة القتل، فقام هو بقتل نفسه، كزانٍ مُحصَن، أو قاتلِ نفسٍ بغير حق، فهل يجوز له أن يفعل ذلك؟

رجَّح المؤلف رأي ابن حجر الهيتمي أن قتْل المهدر لنفسه كبيرة أيضًا؛ لأن الإنسان وإن أُهدِر دمه، لا يُباح له هو إراقته، بل لو أراقه لا يكون كفارة له.

وكان موضوع الباب الثاني في حُكم الصلاة على قاتل نفسه، فقال عمر بن عبدالعزيز والأوزاعي وأبو يوسف: لا يصلي عليه الإمام ولا غيره.

وقال الإمام أحمد: لا يصلي عليه الإمام، ويصلي عليه بقية الناس، واستدلَّ بما رواه مسلم والأربعة:"أُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قتل نفسَه بمشاقص له، فلم يصلِّ عليه".

وقال جماهير العلماء: يصلي عليه الإمام وغيره ... وأورد آثارًا عدة في ذلك، وقال:"فهذه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت