فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 150

الآثار الصحيحة تنقُل إجماعَ العلماء من الصحابة والتابعين على أن مرتكِب الكبيرة يصلَّى عليه، ودليله من جِهة المعنى أن الصلاة على الميت شفاعة له، والعاصي أشدُّ الناس احتياجًا إليها، فكيف نمنعها عنه؟ أما حديث جابر بن سمرة - السابق - فقد أجاب عنه العلماء بأن ذلك كان للتأديب وزجْر الناس عن مِثل فعله، كما قال النووي، وأضاف: وصلَّت عليه الصحابة، وهذا كما ترَك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في أول الأمر على مَن عليه دَين؛ زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة ومن إهمال وفائه، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، ومن ثَمَّ أخذ المالكية أنه ينبغي لأهل الفضل والصلاح أن يَجتنِبوا الصلاة على الفسَّاق؛ زجرًا وتأديبًا"."

أما الخاتمة، فكانت في النهي عن تمنِّي الموت والدعاء به، إلا إذا خاف أن يُفتَن في دينه، وأورد في ذلك عدة أحاديث، منها ما ورد فيه الصحيحين: (( لا يَتمنَّ أحدُكم الموتَ، ولا يَدْعُ به قبل أن يأتيه؛ إما مُحسِنًا فعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يَستعتِب ) ).

قال المؤلف:"هذا النهي مقيَّد بما إذا لم يَخف الإنسان فتنة في دينه، كما قاله غير واحد من العلماء، فأما إذا خاف ذلك، فيجوز له حينئذٍ تمنِّي الموت والدعاء به، ففي القرآن العظيم حكاية عن مريم لما جاءها المخاض: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: 23] ؛ لعِلمها أن الناس سيتَّهِمونها ويرتابون في أمرها إذا رأوها تحمل مولودًا من غير أن تكون ذات زوجٍ، وقد حصل منهم ذلك كما قصه الله في كتابه."

وجاء في الموطأ عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: اللهم كَبِرت سِني، وضعُفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيِّع ولا مُفرِّط، فعمر - رضي الله عنه - بسط عُذرَه في هذا الدعاء، وهو كِبَر سِنه وضعْف قوَّته، وهما مظنَّة التفريط في حقوق الله وحقوق الناس، وذلك ما لا يرضاه عمر، ولا يَخطُر له على بال"."

ثم أورد أحاديثَ، منها الدعاء الذي رواه الترمذي: (( وإذا أردت بعبادك فتنةً، فاقبضني إليك غير مفتون ) )، قال المؤلف مُعلِّقًا على هذا الدعاء، وهو آخر ما أورده في كتابه:

"هذا الدعاء بالموت مقيَّد بحالة الفتنة مخافة أن تُصيب الداعي في دينه، وهو أعز شيء لديه؛ فلذلك أجازه الشارع، أما إقدام الشخص على التخلص من الحياة بقتل نفسه كما يفعل كثير من الجهلة، فلا يجوز في حال من الأحوال أبدًا، بل هو كبيرة كسائر الكبائر العظيمة، ويزيد عليها بأمر آخر، وهو أن جميع المعاصي كالزنا والربا والخمر قد يَمُن الله على مرتكبها بالتوبة والإنابة، فيأتيه أجله وهو تائب مُبتعِد عنها، أما الانتحار، فإن فاعله يموت متلبِّسًا به غير تائب؛"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت