كانت الآية الكريمة السابقة تسجيلًا للرحلة العظيمة عند ابتدائها، حيث كان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
وتأتي آيات سورة النجم لتنقل لنا جانبًا آخر من هذه الرحلة، ولكنه من الملأ الأعلى، حيث سدرة المنتهى.
ولنستمع إلى الآيات الكريمة في خشوع وتدبر:
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [1] .
تتحدث الآيات الكريمة عن جبريل عليه السلام حين تبدى للرسول صلى الله عليه وسلم في صورته التي جبل عليها حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء وذلك في مبدأ الوحي فسدَّ الأفق بخلقه الهائل، ثم دنا فاقترب منه فكان على بعد ما بين القوسين أو أدنى.
ثم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل على تلك الصورة في حادثة المعراج عندما كان صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى ..
ووصوله صلى الله عليه وسلم إلى حيث سدرة المنتهى، بل إلى حيث توقف جبريل وتابع صلى الله عليه وسلم مسيره .. تكريم وأي تكريم.
ومع ذلك جاء النص القرآني بصفة العبودية لتكون الصفة المختارة خلال الحديث عن هذا التكريم العظيم فقال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} أي أوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى.
ومرة أخرى تكون الصفة، صفة العبودية مضافة إضافة التشريف والتكريم.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون هذه الصفة هي المختارة للآية الأولى من سورة الكهف حيث قال تعالى:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} .
إنه حدث آخر عظيم، إنه إنزال الكتاب العظيم على محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولعظمة الموضوع يبدأ الله تعالى بحمد ذاته المقدسة على ذلك، إنه الكتاب الذي أنعم الله به على أهل الأرض ليخرجهم به من الظلمات إلى النور.
إنها الأحداث العظيمة:
الإسراء.
والمعراج.
وإنزال الكتاب.
(1) سورة النجم، الآيات (1 - 15) .