تُختار له هذه الصفة «عبده» من بين كل الصفات، ألا يدل ذلك على أنها من صفات التشريف والتكريم؟! بلى إنها كذلك.
ويدخل تحت هذا العنوان لهذا الفصل آيات خوطب بها صلى الله عليه وسلم من خلال صفة العبودية، واستشكلها بعضهم، منها على سبيل المثال:
قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} [1] .
والقصة التي تشير إليها هذه الآيات، كما قال ابن كثير: «ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يومًا يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه، إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديمًا، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وودَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعًا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فنزلت» .
والآيات الكريمة وصف للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة، من الناحية الظاهرة التي تتعلق بوجهه ومن الناحية النفسية.
وقد جاءت الصورة الحسية بصيغة الغائب ثم تحول الأسلوب إلى الخطاب بعد ذلك. وهذا من التلطف بالعتاب إذ لم يواجهه به مواجهة.
والرسول صلى الله عليه وسلم اجتهد في هذه القضية، ولكن التوجيه الإلهي جاء بغير اجتهاده وكان توجيهًا له في المستقبل.
وبمقدار ما تحمل هذه الآيات من عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم بمقدار ما تبين رفعة الدعوة وكرامتها وعظمتها، واستغناءها عن كل أحد، وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها، كما يقول سيد قطب رحمه الله.
ويقول القاضي عياض - رحمه الله: ليس في الآيات إثبات ذنب له، بل إعلام الله له أن ذلك المتصدى له ممن لا يتزكى [2] .
ومما استشكل قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [3] .
هذه الآية وغيرها في سورة التوبة وردت في فضح المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك.
قال مجاهد - كما عند ابن كثير: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. ولهذا قال تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} .
(1) سورة عبس، الآيات (1 - 11) .
(2) المواهب اللدنيةللقسطلاني، تحقيق صالح الشامي 3/ 254،
(3) سورة التوبة، الآية (43) .