ثم ذهبوا يعقدون المقارنة مع الأنبياء عليهم السلام ابتداء من آدم وانتهاء بعيسى.
ولنذكر أمثلة على ذلك:
1 -قالوا: «فآدم عليه الصلاة والسلام: أعطي أن الله تعالى خلقه بيده، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شرح صدره، وتولى الله تعالى شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة» [1] .
أقول: مع وجود الفارق بين الأمرين، فإن المؤلف تجاوز الحقيقة في كلامه، عندما قال: «وتولى الله تعالى شرح صدره بنفسه» ولم يأت بدليل على هذا.
وقد حدث شرح الصدر مرتين:
الأولى - وهو صغير - كما في صحيح مسلم: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعاد في مكانه .. » [2] .
والحديث صريح في أن الفاعل هو جبريل عليه السلام.
والثانية - كانت في حادثة الإسراء والمعارج. وجاءت حادثة شق الصدر فيها تارة بصيغة المبني للمعلوم، والفاعل جبريل، وتارة بصيغة المبني للمجهول.
وفي مثل هذه الحالة تكون صيغة المبني للمعلوم مفسرة وموضحة لصيغة المبني للمجهول.
فقد أخرج الشيخان من حديث أنس عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، فَفَرَجَ صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي .. » [3] .
وفي رواية أخرى عن أنس عن مالك بن صعصعة « .. فأتيت بطست من ذهب ملئ حكمة وإيمانًا، فَشُقَّ من النحر إلى مراق البطن، ثم غُسِلَ البطن بماء زمزم .. » [4] .
وفي حديث شريك: أنه جاءه ثلاثة نفر، وفيها: «فتولاه جبريل منهم، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته .. » [5] .
هذه هي الروايات الواردة في الصحيحين، فأين فيها تولي الله سبحانه وتعالى بنفسه شرح الصدر؟!.
إن المؤلف - رحمه الله - اضطر أن يذكر ذلك لتكون القصة موازية لما جاء في القرآن الكريم، من خلق الله تعالى لآدم بيده.
وفي هذا ما فيه من تغيير الحقائق.
(1) المواهب اللدنية 2/ 584.
(2) أخرجه مسلم برقم (162) .
(3) متفق عليه (خ 349، م 163) .
(4) متفق عليه (خ 3207، م 164) .
(5) متفق عليه (خ 7517، م 162) .