واستقوا. فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك» .
وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايم الله، لقد أقلع عنها، وإنه ليخيل إلينا أنه أشد مِلأَة منها حين ابتدأ فيها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا لها» فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، وضعوا الثوب بين يديها.
قال لها: «تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا» .
فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا، فو الله إنه لأسحر من بين هذه وهذه - وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء، تعني: السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقًا.
فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصرم [1] الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام، فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام.
[خ 344، م 682]
في صلح الحديبية:
3 -أخرج البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا.
ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها. فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
[خ 4150]
4 -وأخرج مسلم من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن اربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية [2] ، فإما دعا وإما بسق فيها. قال: فجاشت فسقينا واستقينا.
[م 1807]
5 -وأخرج البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: عطش الناس يوم الحديبية، والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ، فجهش الناس نحوه، فقال: «ما لكم» قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك.
فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا.
(1) الصرم: الأبيات المجتمعة من الناس.
(2) جبا الركية: الجبا: ما حول البئر، الركي: البئر.